View this article in English | bilingual

فوهة في الفضاء

 

1

بدأ القصف المدفعي ليوم الجمعة، متأخّراً بعض الشيء. الثامنة والنّصف صباحاً.  الصوت قويّ وواضح. تنهّدت أمّ أنور بألم تبدّى على تقاطيعها، عقصتْ حاجبيها، كادت تنفجر، هتفتْ تكلّم نفسها بصوت مسموع: بدأ الغيث، يا فتاح، يا رزاق.

اعتدل أنور، أسند مرفقه على الأريكة، نظر إلى أخته يستشفّ رأيها. قال بهدوء: نهاية الجنينة قريباً من شطّ العرب، أليس كذلك؟

أكّدت أخته بهزّة رأس: نعم هناك.

استمرّت أمّهما تعدّ الفطور، توزّع الصحون على المائدة. بعد نحو خمس عشرة دقيقةً جاء صوت القنبلة الثانية أقوى من الأولى. هتفت نور مباشرة ومن دون أن يسألها أخوها: قرب ثانويّة الموانئ. هذه المرّة العشرون يُقصف محيط الثانويّة، لكن لم تقع أيّ قنبلة على المدرسة.

- من حسن الحظّ!

- لست أدري لماذا لم يصيبوها كثانويّة العشّار؟

ضحك أنور: لأنّها للبنات، والخميني كأبي يحبّ البنات.

ضحكوا جميعاً بقوّة، اتّجه الثلاثة نحو منضدة الطّعام، جلسوا وهم يضحكون، نظرت نور إلى أبيها: هل صحيح أنّك تحبّ البنات؟

قهقه منذر: "نعم. أحبّ لا البنات حسب، بل كلّ أنثى." أمّنت زوجته على كلامه بجدّ: هذا صحيح. إنّه يحبّ حتى الفأرة.

استمرّوا يضحكون باستثناء الأم، كانت مشغولة بنقل الطعام، صفّق أنور بحرارة: أبي، شيء جديد ينكشف اليوم عنك، أصحيح أنّك تحبّ الفئران؟

- اسألوا أمَّكم هل هي فأرة؟

وقفت زوجته قربه، الخبز بيدها، قالت بتحدٍّ: قل الحقيقة ألا تحبّ الفئران؟ من رفض قتل الفأرة في الأشهر الأولى لنا بعد الزواج؟

نظر إليه ولداه يستفسران، أدرك أن عليه أن يقول الحقيقة، حدّق بأنور: آنذاك، أمّك حامل بك، كنتُ في الحديقة، سمعت صوتها تصرخ مرتعبة، كأنّ هناك قاتلاً، أو وحشاً يهدّدها، دخلت الدار مسرعا، رأيتها في أقصى خوفها تشير إلى الحمّام، تصرخ هناك، هناك. ركضت حالاً إلى الحمّام، لم أجد أيّ قاتل أو وحش، خرجتُ، رأيتها واقفة هلعة بعيداً، قرب الباب المؤدي إلى الحديقة، مستعدةً للهرب، قلت لها: لا أرى شيئاً. اقتربتْ مني بتوجس، أشارت إلى المغطس بسبابتها، لم تستطع نطق اسم الوحش خوفاً منه، تقدمت نحو المغطس، رأيت فأرة صغيرة بطول خمس سنتيمترات، كانت جميلة جداً، شعر رمادي ناصع، عينان كبيرتان مكحّلتان، فم أحمر جميل، ذيل رشيق، كانت تنظر إليّ بودّ وإلفة، التفتُّ إلى أمكما، سألتها: أهذه السبب؟

لم تستطع  الإجابة، لسانها معقود من الخوف، هزّت رأسها، أي نعم.

أمسكت بهذا المخلوق الجميل، لم تحاول الهروب قط، استسلمتْ، لست أدري لماذا، بعد أن خرجتُ إلى الحديقة والفأرة بيدي انطلق لسان أمّكما، صرختْ: أقتلها، أقتلها. بحثت عن عشب ملتف حول بعضه، أطلقتها هناك. أخذت أمّكما تغرّد: أنت جبان، أيّ رجل أنت؟ لا تستطيع قتل فأرة!

قال أنور: هذه مناسبة يجب أن نرقص لها.

وافقته نور: هيّا.

قالت أمّهما: سيبرد الأكل.

هتف أنور: وليبردْ.

أخذا يرقصان كمحترفين. تهزّ نور وسطها كأيّ راقصة هزّ بطن ممتازة. يرقص أنور الرّقص الغربي، يصفّق بسعادة: أبي لا يقتل فأرة. قنابل إيران تقتلنا. هي هي هيي!  أبي لا يقتل فأرة.قنابل الجيران تقتلنا. هي هي هيييي.

قال أبوهما: يا لها من رقصـ

قطع الانفجار الثالث كلامه، متعتهم، أسكتهم، توّقف الشابان عن الرّقص، عادا إلى مكانهما، تصنّمت أمهما قربهما والخبز السّاخن بيدها. قالت بحزن وأسى: من يدري أيّ مظلوم قضى نحبه!

ساد الصّمت ثقيلاً، الانفجار أقرب إليهم من سابقيه، قال أنور: هذه القنبلة على حافة طريق الجنينة، لا يمكن أن تبعد عن بيتنا أكثر من نصف كيلومتر.

حدّقت أمّه بعيني ابنتها متسائلةً، أمّنت هذه على كلام أخيها: مضبوط.

قال أنور: أحرام أن نعيش لحظة سلام واحدة! أريد فوهة في الفضاء أنقذف فيها فلا أجد نفسي إلّا وأنا في مكان آمن أسير فيه باطمئنان، مرفوع الرأس من دون خوف.

قالت أخته: جدها وسأتعلّق بقدميك.

حدّق بها محذراً: أريد أن أعيش وحدي.

- لا تخف. ما إن نصل إلى مكان آمن أتركك. أريد أنا أيضاً أن أعيش حرّة، أسير في الشارع بأمان. لماذا نحن مغضوب علينا وحدنا دون خلق اللّه؟

انتقلوا جميعاً بعد الافطار إلى غرفة ضيّقة مطلّة على الحديقة الصغيرة. الشارع الفرعي الخالي أمامهم. تمدّد أنور على الأريكة واضعاً رأسه في حجر أمه. هبّت ريح خفيفة، حرّكت أغصان شجرة النبق، طار بضعة عصافير. أغمض أنور عينيه برهة ثم فتحهما، قال: كم أحبّ يوم الجمعة!

تساءلت أخته: لماذا؟

ضحكت أمه: لأني أعدّ أفضل ما يعجبكم وما تشتهون في الجمعة.

أيّدت نور: نعم، هذا جزء غير مهم من الحقيقة، أما الجزء الأهم فهو أنّكِ اعتدتِ أن تدلّلي فيه أنور.

قال أنور: بدأت الغيرة.

ضحكت نور: هل الحقيقة غيرة، أنظر إلى رأسك أين؟

غيّر أنور موضوع الحديث: في كلّ دول العالم المتطوّر تداوم المدارس خمسة أيام إلا نحن، ستّة أيام وفي ظلّ القصف اليوميّ و

قاطعت أخته: قل وفي ظلّ الموت العشوائيّ اليوميّ.

- هذا صحيح، لكن متى نصبح "أوادم"؟

سألت نور: أتعرف لماذا؟

رفع أنور رأسه من حجر أمّه، نظر إليها بتحدٍ: لماذا يا فهيمة؟

- لأنهم يدرسون ثمانِي ساعات في اليوم، ونحن ندرسُ أربع ساعات فقط.

- من أين جئت بهذه المعلومات؟

- الدكتورة حنان مشتركة بمجلتين شهريّتين أمريكيّة وبريطانيّة وهي تعطيني إياهما بعد قراءتهما، وأحيانا عندما تكون مشغولة تعطينيهما قبل أن تقرأهما، وأسمع أيضاً يوميّاً الإذاعة البريطانيّة باللّغة الإنكليزيّة، أعرفت السبب يا أميّ يا متخلّف؟

نظرت أمّها إليها بحدّة مغلّفة بابتسامة خفيفة: كيف تقولين أميّ متخلّف وسيتخرّج مهندساً معماريّاً بعد أشهر!

- الثقافة ليست بالشهادة، إبنُكِ يا سيّدة أميّ بامتياز، لم يقرأ كتاباً واحداً خارج منهج دراسته قط. هو كالأطباء الحفاة في الصين، لا يعرف أحدهم سوى معالجة شيء واحد فقط.

قال أنور بدون اهتمام: في هذا اليوم متعتان: الجمعة والعطلة الربيعيّة.

كانوا ينظرون إلى الحديقة الصغيرة، زهور متنوعة، تلتف على شكل دوائر، مربعات، مثلثات، مستطيلات، لتكون أشبه بالسجاد الشرقيّ الملوّن.

تعبث يدا أم أنور بشعر رأسه الأسود القصير، وهو على فخذ أمّه، بينما كانت نور وأبوها يرشفان الشاي.

هبط طائر الزيطة على الأرض. لمحته نور. أشارت إليه.

- انظروا.

ينتقل الزيطة فوق ثيّل الحديقة بقفزات. جمال ساحر، تناسق الأبيض والأسود خلّاب. حركات رشيقة. ذيل طويل رائع يتحرك إلى الأعلى والأسفل ليخلق توازناً يمكنّه من الحركة، قالت نور: أتعلمون أن الزيطة مظلوم مثلنا نحن العراقيّين جميعاً، لا يحظى بأيّ اهتمام!

تساءل أنور: كيف؟

-أظنه أجمل طائر في العالم، طائر العراق الوطني بلا منازع! لكن لا أحد يعترف به، ولا يذكره أيّ مؤلف في أيّ كتاب مدرسيّ، ولا يوجد عنه أيّ بحث.

ضحك أنور ساخرا: لماذا طائر العراق الوطنيّ بلا منازع؟ كم طائراً غريباً رأينا في الهور، ماذا عن الخضيري؟ أجنّنتك قنابل إيران؟

- لا لم تجنني قنابل إيران، الخضيريّ موسميّ، هذا يعيش هنا، لا يوجد في خارج العراق، في أيّ بلد في العالم، إنه طائر عراقيّ وطنيّ مئة بالمئة؟

قهقه أنور: كيف عرفت أيّتها المثّقفة العظيمة؟

احتدّت نور: لأنني استعرت موسوعة طيور العالم من مكتبة الجامعة، وبحثت عنه، ولم أجده، وراسلت مجلة الجغرافية الوطنيّة في امريكا، وأرسلت أكثر من صورة له قبل أشهر، ذكرت أوصافه، أنظر إليه أنه أكثر رشاقة وجمالا من معظم طيور العالم، أكثر رشاقة من السّنونو، أجمل منه، أنظر كم هو ذكيّ؟

قاطع: كيف تعرفين أنه ذكيّ؟

- انظر إليه، لا تراه يستقرّ على حال مطلقاً، يسير بحذر شديد، ومتى ما يحسّ بأيّ خطر يحلّق، قال لي بعض زملائي عندما تحدثت عن تفرّده أنّهم عندما كانوا صغاراً كانت إحدى أفضل هواياتهم هي أن يصيبوا الطيور بالحجارة، قتلوا الكثير من العصافير، البلابل، البعيعي الوحشيّ، الخضيريّ، الهدهد الصحراويّ، الفاختة، لكنّهم لم يستطيعوا إصابة أيّ زيطة، لكنّي أظن أن جمال الزيطة حارسٌ أمين لسلامته، لأن أيّ من يريد صيده لابدّ أن يذهل لجماله، فتنخذل يده ولا يصيبه.

صفّق أنور: أصبحت أختي فيلسوفة! تفكّر بعمق!

قال أبوها: أنا أيضاً أفكّر منذ أن جئت البصرة في سرّ جماله. أتراه منحصراً في الخطوط السود الأبنوسية والبيض الثلجية التي تقسّم جسده بالتساوي؟ أم برشاقته الفائقة؟ أم بعينيه السوداوين المحاطتين ببياض ناصع.

ابتسم أنور، قال دون مبالاة: أأنت جادة؟ أأرسلت معلومات وصوراً عنه إلى مجلة أمريكيّة؟

- نعم.

قهقه: لابد أن المجلة أهملتك، قالوا مخبولة، إحدى مختلّات العالم الثالث المتخلّف الجائع المشغول بالحروب.

- لا، لم يهلموني أيّها المتطوّر! أجابوني برسالة شكروني بها، قالوا أنهم فُوجئوا بهذا الكشف، وأنهم فخورون بي، وأنهم سينشرون الصّور والتحقيق في عدد الربيع القادم، وسيرسلون لي 500 دولاراً. أجبتهم، بأن يحتفظوا بالمبلغ باسمي في أيّ حساب، وأن لا يرسلونه لأن حكومتنا تعاقب أيّ شخص يتسلّم أيّ مبلغ من خارج العراق. وهكذا ترى يا سيد أنور من منّا المتخلّف ومن منّا المتطوّر؟

صفّق أبوها بحرارة، وضحك من كلّ قلبه. نهض أنور من حضن أمّه. شاركه التّصفيق والضّحك، بينما اكتفتْ أمها بابتسامة رضاً وسعادة.

اعتدل أنور، نظر إليها: اسمعي أيتها الفيلسوفة: أجمل ما في الطبيعة ليس طائرك الصغير الزيطة، بل غروب الشمس. أمامنا فضاء لا متناه. إن نظرت كما أفعل إلى الغرب، ترين أجمل ألوان الكون يتجسّم في الغروب.

قهقهت نور: يالك من مشوّش. خبير بالسفسطة، نحن في الصباح وتتكلّم عن الشفق!

ضحك أنور، سأل أمّه وهو ينظر ناحية نور: لماذا تحبينني أكثر من نور؟

ضحكوا مرّة أخرى، قالت أمّه: أحبّكما سواسية.

- لا، أنت تحبِّينني أكثر منها.

أكّدت نور: أول مرّة يقول هذا العبقريّ شيئاً صحيحاً، تحبّينه أكثر مني، أنظري إنك تدللينه كطفل، تضعين رأسه على فخذك كلّ جمعة، وتربتين على رأسه، لم تفعلي معي هذا طيلة عمري.

جذبها أبوها إلى صدره، وبدأ يجوس في شعرها بأصابعه: لا عليك أنا أحبّك أكثر منه.

قهقت من كلّ قلبها: هذا صحيح، معادلة ممتازة.

قالت أمّها: لا أضع رأسك على حجري لأن شعرك طويل وكثيف.

   أفلتت نور نفسها من عناق أبيها، أسرعت إلى الطابق الثاني ثم نزلت وبيدها المقصّ: هاك قصّي شعري مثله.

ضحكوا جميعاً مرّة أخرى. قال أنور: يدّعي عادل أن أمّه تحبّ أخواته الأربع أكثر منه، من يصدّق؟

بادرت أمّه: مستحيل، هو الولد الوحيد في العائلة، فكيف تحبّ أمّه أخواته أكثر منه؟

- يقول إنه لم يتذكر أنها عانقته، لم تقبّله قط، بينما تقبّل وتعانق أخواته كلّ يوم عندما يذهبن إلى المدرسة وعندما يأتين، تدلّلهن، تتكلّم معهن بهمس، وعندما يأتي تتوقف كأنها تريد ألّا يتدخّل، يكاد يجنّ.

- لأنه كبير.

- حتى عندما كان صغيراً.

- من يدري!

-  دعانا اليوم إلى وليمة كبرى.

قالت أمّه: لا تذهب، ألا ترى الإيرانيّين (انكلبوا) اليوم في قصفهم! بدؤوا من صباح اللّه، يا فتاح يا رزاق، إبقَ، أطلبْ ما تشتهي من طعام أحضّره لك، ابقَ معنا هذا اليوم.

- أعدّت أمّ عادل كلّ شيء، دولمة، برزماً مشوياً، إنّها خبيرة.

- عندنا دولمة وبرزم، سأعدّهما لك، قلبي يحدّثني أن هناك شيئاً ما سيحدث اليوم، رجاءً إبقَ هنا.

- لا، سنجتمع كلُنا هناك.

قال أبوه: قلبُ أمّك قلب أنبياء، ترى ما لا يراه أحدٌ، اسمعْ كلامها.

التفتتْ إليه: أتسخر؟

ضحك بقوّة: لا. معاذ اللّه.

نهضت نور وهي تهتف: سأريكم مفاجأة.

أسرعت صعدت إلى غرفتها، ثم نزلت بكيس كبير مليء، ما إن رأته أمّها حتى هتفت: لا تفتحيه سيسقط منه ما يلوّث السجّادة، قضيت ساعتين في تنظيف البيت قبل استيقاظكم.

- فقط شيئان.

قال أبوها: دعيها.

فتحت الكيس، أخرجت ظرفاً ورقيّاً عليه تاريخ: 1/3/ 1980، هتفت: من يحزر ما في هذا الظّرف؟

   لم يتكلّم أحد، فتحته أخرجت حنظلةً، قالت بفرح: إنّها من الأثل.

    ضحك أنور: يا غبيّة! أيوجد أحدٌ يحتفظ بحنظل؟

   قال أبوها: فكرة ممتازة. الاحتفاظ بشيء يهمله الآخرون امتياز نادر.

  - حتى إن كان قبيحاً ومرّاً كالحنظل؟

   - نعم، ألا تراهم يعطون جائزة لأسوأ الأفلام؟ لأقبح الوجوه، لأغرب العادات!

   قالت نور، وهي تشير إلى حبّة الحنظل، انظروا: كرة مثالية، كأنها خرجت لتوها من مصنع، ما أجمل لونها الأصفر الضارب إلى الخضرة، من آخر زيارة لنا للأثل، ما دامت الحرب قضت على السفرات فلنتذكرها!

هتف أبوها: أنت رائعة.

أمّن أخوها: إنّها أكثر من رائعة.

قالت نور: أتسخر؟

- واللّهِ.

أرجعت الحنظلة إلى مكانها بعناية، ثم رفعت قنينة عليها تاريخ 1978/4/9 مليئة بالكحول، لكنّها غطتها بيدها، هتفت ماذا هنا؟

نظر الجميع إلى القنينة، لكنّهم لم يتكلموا، وإذ لم تسمع إجابة، وضعت القنينة أمام أبيها، كان في القنينة ضفدعة فسفورية صغيرة بحجم إنج، وسلحفاة في نفس الحجم. ثم قالت: انظروا أيّ جمال!

جاء صوت القنبلة قويّاً قريباً. اعتدل أنور، نظر إلى أخته: نهاية الجنينة قريباً من القنبلة الأولى، أليس كذلك؟

حدّقت أمّه بعيني ابنتها متسائلة. أمنت هذه على كلام أخيها: صح.

قال أنور: عادة لا يقصفون المكان بأكثر من ثلاثة قنابل، فلماذا زادوا اليوم العيار؟

أضافت نور: هناك أمر ما جديد أيضاً، بين القنبلة الأولى والثانية نحو ربع ساعة، وبين قنبلة وأخرى نحو خمس دقائق، عوّدونا على ثلاثة قنابل في أقل من خمس دقائق، أغير الإيرانيّون "تكتيكهم" هذا اليوم؟

نظرت أمّه إليه: ألم اقل لك أن قلبي يحدّثني، لا تخرج من البيت اليوم.

ضحك أبوه وأخته، بينما سهمتْ عينا أنور على نقطة ما في الحديقة، بعد بضع دقائق رأى سيّارة تتوقّف، نهض. ثم سمع الجميع صوت الجرس. اُستنفروا جميعاً. ظهر عادل في الشارع أمام البيت بقامته المتوسطة النحيفة يضع يمناه على السياج، قالت أمّ أنور: إن كنتم مدعوّيين عند عادل فلماذا جاء؟

تجهّمت تقاطيعها: يا حافظ يا ستار!

أسرع أنور خارجاً إلى الحديقة. أسرعوا خلفه، سمعوه يقول لعادل: تعال، ما بالك وقفت؟

فتح عادل باب سياج الحديقة، دخل مسرعاً، مرعوباً، وجه مصفرّ، اندفعوا نحوه، قال ما إن وصل إليهم: قصفوا بيت سعدي.

- أأنت متأكد؟

- نعم.

التفت أنور إلى نور: لاشكّ أنها القنبلة الأولى.

لم تقل نور شيئاً، سأل أنور: كيف عرفت؟

- اتصلت به قبل عشرين دقيقة لأذكّره بالمجيء إلى بيتنا، فسمعت صوت اخته تبكي، قالت قصفونا، وسدّت الهاتف.

احتجّت نور: لماذا لم يَقطع الانفجار هاتف البيت، قصفونا يعني قصفوا البيت، لا يبقى فيه حيّ ولا جماد. مادامت حيّة لماذا تبكي؟

حدّق به أنور برهة ثم قال: حسناً لنذهب ونرَ.

هتفتْ أم أنور بعصبيّة وهي تنظر إليه وإلى عادل: لا، لا تذهبوا. ابقوا هنا. المكان أمين هنا، دعونا نتأكد من القضيّة بالهاتف.

سأل عادل: لماذا المكان أمين هنا؟ هل في البصرة مكان أمين؟ كلّها تحت مرمى قنابلهم، لم يتركوا شبراً منها.

تدخّل أبو أنور: لأن هذه المنطقة معسكر أولاً، وبيوت ضباط ثانياً، وقصفها يعني أننا سنقوم بقصف مماثل لمعسكراتهم وبيوتهم.

تجاهل أنور الحديث كلّه، قال: لابدّ من الذهاب. هيّا.

توسّلت أم أنور بهما من كلّ قلبها: رجاءً لا تذهبوا. إن قصفوا بيت سعدي فماذا تستطيعون أن تفعلوا له؟ اتصلوا بالهاتف.

قال عادل: فكرة.

دخلوا البيت، أخذ أنور يدير أرقام الهاتف، انتظر برهة، نظر إليهم: الهاتف يعمل لكن لا أحد يرفع السمّاعة.

ثمّ أسرع نحو سيّارة عادل، فتبعه هذا.

لحقت به أمه، هي وأبوه، لكنّها توقّفت، التفتتْ إلى أبيه تلومه بشدّة، وتصرخ: لماذا لم تمنعه؟

حدّق بها هذا، ابتسم في محاولة لتهدئتها وهو يفتح ذراعيه: أهو صغير؟ عمره اثنتان وعشرون سنة.

- وإنْ؟

- لا، لن أفعل.

لم تسمع كلامه كلّه، ركضت نحو الشارع. أرادت أن تصل إلى السيّارة قبل أن تقلِع، لكنّها لم تستطع، وحينما تجاوزت السياج وخطتْ في الشارع كانت السيّارة قد أصبحت على بعد نحو خمسين متراً، عندئذ رأت يد أنور من خلال الزجاج الخلفيّ تلوّح لها وهو يلتفت إليها باسماً، فرجعت، وتقاطيعها ممزّقة بين الغضب والحزن.

قال أنور: إمي متشائمة دائماً، تقول سيحدث هذا اليوم شيء.

- هكذا الأمهات كلّهن. لا يمكن أن يتنبأ المرء بما سيحدث، التنبؤ خرافة.

- قضت الحرب على الحياة في البصرة. لكي نكون واقعيين علينا أن نتوقع أنّنا جميعاً محكوم علينا بالموت عاجلاً أم آجلاً.

- لكنّنا جميعاً نحلم بالنجاة.

- الحلم وحده يُبقينا أحياء لا غير، وإلا فنحن ميتون.

اقتربا من حيّ الموانيء. سمعا من بعيد أصوات سيّارات الإسعاف تنطلق نحو الجنوب وبوضوح. اقتربت السيّارة من بيت سعدي. الزقاق مليء بالناس، نساءًَ، رجالاً، أطفالاً، لكن لم يكن هناك سيّارة إسعاف. قدّر عادل أنه لا يستطيع أن يدخل بالسيّارة في العطفة المزدحمة. تركاها في بداية الشارع مع الزقاق الفرعي، بعيداً عن التكدّس الملموم في وسطه. حين ترجّلا منها ملأت خياشيمهما راحة البارود المخرّشة. شاهدا خيط دخان ينبعث من وراء البيت يكشف أن هناك حريقاً لازال يلتهب. بينما كانت واجهة الدار الصّفراء، والباب الساج الخشب سالمتين لم يصبهما ضرر.

 أصوات النحيب وصراخ النسوة المتجمّعات حول الباب على أشدّها. كان عادل وأنور يعرفان جيمع إخوان وأخوات سعدي، لكنّهما وسط ذلك الزحام الشديد، وأصوات التفجّع والصراخ والفوضى لم يستطيعا تشخيص أيّاً منهم، اقترب أنور من إحدى النسوة. سافر في الأربعين، شبه ممتلئة، تمسح عينيها الحمراوين بين لحظة وأخرى بمنديل صغير أبيض مطرز بورود حمر، سألها: أهناك مصاب؟

انفجرت تبكي: يا عيني عليه، سعدي وابنة عمه فقط، كانا في الحديقة، جاءت ابنة عمّه البارحة من بغداد، لتقضي عطلة نصف السنة هنا، أرادت أن تغيّر الجوّ. باقي العائلة كانوا في البيت، وقعت القنبلة في ملتقى أسيجة أربع حدائق، قتلتْ جميع منْ كانوا في حدائقها.

- كم واحداً؟

- لا أحد يدري بالضبط، نقَلوا إلى المستشفى أحد عشر شخصاً.

- أيّ مستشفى؟

- لا أدري، الموانئ، العسكري، الكبير، لا أدري.

يزداد الزقاق ازدحاماً كلّ لحظة، تبدأ النساء القادمات بالصراخ والعويل ما إن يدخلن الزقاق.

ابتعد انور وعادل قال الأخير: لنذهب إلى مستشفى الموانئ إنها الأقرب.

- هيّا.

لم تكد السيّارة تقطع نحو نصف كيلومتر حتى بدأ القصف من جديد، أوقف عادل السيّارة، كاد يفقد أعصابه. سأل أنور: أسمعت مثلي؟

هزّ أنور رأسه مؤكداً: نعم. قريباً من ساحة أم البروم.

- على الكورنيش، قرب بيتنا.

- نعم.

- لننزل كي نسمع الثانية بشكل مضبوط.

بعد ترجلهما بنحو دقيقة، انطلقت سيّارة الإسعاف باتجاه جنوب المدينة. قال أنور: أطالوا الفترة بين قنبلة وأخرى. لنذهب إلى بيتنا وننتظر هناك.

- هيّا.

قبل أن يشغّل عادل السيّارة جاء صوت القنبلة الثانية، هتف بقلق: كما توقعتُ قرب بيتنا في الطويسة، على شط العرب.

- لننتظر الضربة الثالثة.

قال عادل: بل لنذهب الآن، أنا قلق على أهلي.

- لن نذهب الآن، إن لم ينتهِ القصف فلن أتحرّك، لا داعي لتعريض حياتنا للخطر من دون سبب، لن تُغيّر النتيجة بتأخرك خمس دقائق.

زاغت عينا عادل وهو يفكّر: أنت على حقّ.

وصلا بيت أنور بعد وقوع القنبلة الثالثة بنحو ثانية واحدة، قدّرا انها في المنطقة نفسها، قال أنور: سأخبر أهلي بوجهتي ثم ننطلق إلى بيتكم.

لم يترك أنور فرصة لأهله أن يسألوه عن سعدي، بل أسرع أخبر نور التي كانت في الحديقة تنتظره، وحينما رأته أمّه من الشبّاك أسرعت إليه، تكاد أن تجنّ، شدّت كفيها على زنده الأيسر، رجته وهي تصرخ بجنون: لا تذهب. تخلّص من قبضتها بصعوبة وهو يضحك. تركها. لم يقل شيئاً.

بدت الشوارع مقْفِرة من السيّارات والمارة، سيّارات الإسعاف وحدها سيّدة الموقف، دخلا شارع دينار الخالي. اجتازا دوار السّينالكو، ثم دوار المخابرت المقابل لمنشأة المطاحن، ثمّ بيت الحزب، لم يريا أيّ سيّارة قادمة من العشار كأن الجميع كانوا مقتنعين بأهمية وقسوة القصف هذه الجمعة. اجتازا مركز المحافظة في العشار، وانطلقا نحو الطويسة، قبل أن يصلا إلى شارع بيت المحافظ المتصل بالكورنيش فوجئا بثلّل من الشرطة ورجال الإسعاف والمطافئ تسدّ الشارع، تمنع الذاهبين نحو البراضعية. ترجّل أنور وعادل وأنظارهما تتجه نحو بيت ملاصق لمصرف الرافدين. باب سياج حديقة البيت مفتوح على مصراعيه. سيّارة حريق حمراء واقفة على الرصيف. يتدلى منها أنبوب ضخم، يمتد إلى داخل البيت. تتدفق من زوايتي باب السياج العريض إلى الرصيف مياه مختلطة بالسخام ومخلفات الحرائق بشكل كثيف، ثم تنساب في الشارع. تفعم جوّ المنطقة كلّها روائح البارود والخشب والبلاستيك والملابس المحترقة، اقترب عادل من ضابط شرطة شاب في ثلاثيناته، أسمر، وسيم، بدا وكأنه هو المسيطر على الأمن، أشار إلى البيت ودموعه تصل إلى ذقنه: ذاك بيتنا.

تساءل الضابط، وهو يشير نحو السياج: أأنت متأكد؟

- نعم.

لم يكد عادل ينطق بالكلمة حتى غلبه الضعف، ارتفع بكاؤه. تدخّل أنور: أتريد هوّية للتثبّتْ؟

نظر إليهما الضابط بحزن، قال وهو يبعد عينيه عن عيني عادل وأنور: مع الأسف. هو أحد ستة بيوت متضرّرة.

لم يتوقف عادل عن البكاء، ثم فجأة انفلت يجري نحو باب البيت بأقصى سرعة يقدر عليها. فوجئ الضابط بالحركة، لكنّه تمالك نفسه، أخرج صافرة فضيّة كبيرة، أخذ يصفّر بقوّة نفخت وجنتيه. تنبّه بضعة شرطيين إلى صوت الصافرة، كانوا واقفين قرب سيّارة الإطفاء القريبة من باب السياج. أشار الضابط إلى عادل وهو ينظر نحوهم. هُرعوا نحوه، تلقّفه اثنان قريبان من السيّارة بأذرعهما بمثل لمح البصر، أراد أن يتملص منهما فلم يستطع. عندئذ لكم الأول في وجهه، فسقط على الأرض، وركل الثاني بقدمه في بطنه، لكنّ الشرطي عاجله بسرعة البرق بلكمة في حنكه أوقعته أرضاً. همّ بركله، توقّع أنور أنه سيؤذيه، فحدّق بالضابط وقال متوسلاً: رجاءً. صفّر هذا ثانية بقوّة، لكنّ رفسة الشرطيّ سبقت السيطرة على النفس، فدحرجت عادلاً بضعة أقدام، ثم توقّفت المعركة. هُرع ثلاثة شرطيين إلى إنهاض عادل وهو يبكي، والدّماء تنزف من فمه. تلقفه أنور معانقاً.