View this article in English | bilingual

وحدهم القتلى شهدوا نهاية الحرب

في لسان عجيردة..وهو اللسان الترابي الذي يشق الهور من جهة الشرق..شرق مدينة العمارة، تجمعنا هناك في مواضع شقية عميقة. آلاف من الجنود تزاحمنا بملابسنا الكاكية المنقوعة بالمطر، وخوذنا، وأسلحتنا..ودخلنا مواضع كثيرة، وضعت في أعلاها أكياس صغيرة من الرمل، أما جهاتها المفتوحة فقد كانت غاطسة بالمياه والوحول بصورة شديدة..

كان الطين من العمق بحيث أننا نغوص فيه إلى العرقوب، فلم يتوقف المطر منذ يومين كاملين، أبدا، كانت السماء تمطر بشكل متواصل، وبوتيرة واحدة، حتى غطى الفضاء كابوس من الماء. قبل أن نلتحق بهذه المعركة، منذ عشرة أيام تقريبا، كان جنود وحدتنا يصدون الهجوم من جهة العمارة، حيث أعداد ضخمة من الجنود الإيرانيين كانت تتوغل عند اللسان الترابي وتتجمع في مفارز مسلحة عديدة...

في الواقع، منذ ثلاثة أشهر وأنا في جبهة الحرب، غير أني لم أشترك في معركة حقيقية ولا مرة أبدا، كنت قبلها في المواضع الخلفية، عند خطوط التموين، أرقب بصمت الجنود الجرحى على النقالات، والضباط القتلى وهم يوضعون في التوابيت، كنت أنظر نحوهم من بعيد ولم أقترب منهم أبدا، وعلى المدى الممتد كنت أرقب شاحنات التموين وهي تسير برتل صارم، وأرقب قنابل المدفعية التي تهبط على الكتل الإسمنتية الثقيلة لخنادق المعسكرات.

كانت المدينة حزينة وبعيدة، كأنها منفية في أقصى التخوم، وهي خالية تماما، خالية أبدا..ما خلا الشاحنات التي تنغر في الطين وهي تخترق شوارعها، وقبل يوم كنت شهدت في هذا المكان التراصف القاسي لأجساد الجرحى على النقالات، والممرضات بمريولاتهن البيض يسرن في عيادة الميدان الطبي، وهو مستشفى متنقل يتبع المعركة ويقبع عند أطرافها، وكانت هنالك أعداد كبيرة من التوابيت موضوعة على بعضها، وعند حديقة قديمة ومهجورة توقفت أدخن سيجارة، وأخذت أرقب بحزن ذلك التشابك ألمأتمي للأشجار العملاقة، وهي ترتفع قاتمة يحيطها ضباب كثيف، وبين وقت وآخر تمر أرتال من الجنود بستراتهم المتسخة أمام حواجز الأسلاك الشائكة، أرتال من الجنود الذين سيقتلون بعد ساعات..ويوضعون في هذه التوابيت الخشبية، إنها صورة أخرى تكمل الكابوس..

*

كان الضابط الشاب خشن المظهر، بشوارب سوداء فاحمة، وبنظرة صارمة، منشغلا بالتحديق في خريطة جغرافية موضوعة على الطاولة، في تعبيره العبوس والصارم قدرة هائلة على التجاهل والاستنكار، لا أدري لماذا نظر لمظهري نظرة احتقار متعمد، في مظهره الريفي هذه العجرفة المتكلفة والحقد غير المبررين والتي عرفت بأني سأواجههما كثيرا هنا في جبهات الحرب.

أمرني بالالتحاق بمعسكر التعويض القريب من المستشفى..

حملت يطغي على ظهري ووضعت سلاحي على كتفي، وسرت نحو الشاحنة المتوقفة على مقربة من المقر، رميت نفسي على حديدها البارد، وزحفت نحو الزاوية اليمنى وجلست مقرفصا، دافعا ركبتي إلى أعلى صدري. كنا أكثر من عشرين جنديا منحشرين على الحديد البارد، جالسين، ننظر بصمت شارد إلى بعضنا.

سارت الشاحنة على الطريق الطويل الذي يصل المعسكرات الخلفية بخنادق القتال، كانت تمر بمعسكرات عديدة، معسكرات مهيبة تحمل على سارياتها الكثيرة أعلام الفيالق ورايات الأفواج، صور القصف الشديد تتلاحق في الطريق، سيارات إسعاف مملوءة بالجرحى تمر بسرعة وهي تطلق صوتها، شاحنات التموين تمر متتابعة واحدة بعد أخرى، وعلى جانبي الطريق العسكري محطات كئيبة، مزدحمة بجنود جرحى، رؤوسهم معصوبة بالشاش الأبيض، أيديهم مجبرة، أو يسيرون على العكازات، ومدن كالحة حطمتها المدفعية تماما، وخنادق موحلة، متجمدة من البرد.

 لا أحد يتكلم منا، نحن الجنود في الشاحنة، في هذه الفسحة المتبقية لنا من الحياة، أبدا، كان الصمت وحده كافيا ليدلل على هذا التغلغل البطيء للموت فينا، كان وحده كافيا لكي يطبع كل ما نراه من مدن مهجورة نمر بها، ومنازل محروقة بصورة موتنا المؤجل، لا شيء بعد صورة الخرائب والدم والرماد والدخان الذي نمر به، غير الصمت، صمت هؤلاء الجنود الذاهبين في هذه الظهيرة الممطرة الكئيبة، إلى مصير مجهول.

*

-بعد المعارك الساخنة الأخيرة قتل أكثر جنود الألوية والأفواج المتجمعة في المواضع المتقدمة عند الجبهة، فأخذوا يعوضوننا بهم. ولهذا كانوا يسمون معسكرنا الخلفي مركز تعويض..

"مركز تعويض" هكذا يلفظها الجنود نكرة. معسكر مسيج بأسلاك شائكة، يمتد على مساحة كبيرة عند الخطوط الخلفية ومراكز التموين، غير أن الوصول إليه هو بداية النهاية المحتمة. فالتعويض مستمر لأن القتل كان مستمرا، وكان الموت وحده الذي يزحف ويلتهم دون توقف هؤلاء الأحياء، أنت تعوض المقتول، وتشعر في الوقت ذاته أنك مقتول مؤجل، وهناك من ينتظر تعويضك..ولا تفكر إلا بأمل ما في الحياة ..أمل لا يقهر، وفي لحظات العذاب تفكر بالاستعداد لتقبل فكرة الموت، مثلما يتحمل مرضى السرطان فكرة الموت بعد أن يأسوا من دفعه فجأة، ولا شك أن أكثر الأفكار ثباتا في الحرب هو أن الموت غير الحياة، الأمران ليس سيان..ففي لحظات الحرب الأكثر قسوة تتبادل هاتان الفكرتان المواضع حتى يلتبس عليك المفهومان تماما. ولكنك تتعلق بالحياة أكثر، من خلال الموت القريب تتعرف على الحياة بشكل أعمق.

ماذا أفعل هنا بين الجثث والتراب والأسلحة؟

أنت تقول في نفسك، وتتراءى لك الحياة من بعيد كلحظة ممتدة، أنت تشك بالموت، ولكنك لا تشك بالحياة أبدا، غير أنك تشعر بأنك عرفتها الآن فقط، وهذا هو المحزن، أنت لن تعرف معنى الحياة إلا عند الوقوف أمام إذلال الحرب، وبشاعة القتل، وابتسامة الجنود المؤقتة.

*

بعد مسيرة يومين وصلت الجبهة، كانت قمصلتي الكاكية قد تنقعت تماما، المطر يسيل على وجهي ويهبط من ذقني بصورة متواصلة، أما الوحل فقد تعلق بحذائي حتى منعني من السير بصورة مريحة، كنت نحيفا جدا وشاحبا. عمري ثلاثة وعشرون عاما. تخرجت من الجامعة منذ عام تقريبا، لم أشترك بمعركة من قبل، ولا أعرف ما هي المعركة. كل ما أعرفه عن الحرب كنت قرأته في روايات همنغواي وأريش ماريا ريمارك وتولستوي.

لشدة تعلقي بالقراءة أخاطت لي أمي جيبا داخليا في القمصلة العسكرية ليحوي على الأقل كتابا أو كتابين صغيرين أحملهما معي أينما ذهبت، وفي ساعات الاستراحة، أجلس منعزلا عن الجنود وأغرق في كتابي، أغرق في السطور كأني في زمان ومكان آخرين، كأني أعيش في عالم آخر غير العالم الذي أجبرت على الوجود فيه، ومختلف عنه تماما.

القراءة...كانت امتيازا فادحا حقا، كانت هروبا من عالم إلى عالم آخر..وهكذا في كل ساعة تقريبا وحتى تحت القصف الشديد والهلع المروع لهجومات لا حدود لها، كنت أذهب في القراءة بعيدا، أذهب بسرعة مع الأحداث من غير توقف، متسلحا بقوة الشغف التي تتملكني، كي لا أعود إلى الزمان والمكان اللذين أعيش فيهما.

كنت أتساءل على الدوام: هل كان بطل بروست الشاب، أكثر حكمة، حينما دخل إلى حجرته منعزلا، وغرق في كتبه كي يتفادى رؤية جدته وهي تتألم؟

بعيدا عن تعفن جثث القتلى القادمة مع الهواء الهاب من ساحة المعركة، أو بعيدا عن البارود الذي كان ينفذ إلى أعماقي حتى يجعلني أتقيأ، بل يفتك أحيانا بأحشائي، حتى يصبح التقيؤ أمرا تافها بالقياس لما كنت أشعر به، كنت أذهب إلى العزلة السرية للقراءة، أذهب هناك إلى الألفة المطمئنة، كي أشم من سطور كتابي عبير سوسنة بعيدة، أو رائحة خشب مكتبتي الممسوح بالاسبرتو، أو رائحة الحجر في منزل ما وقد نقعه الماء.

 كانت القراءة بديلا حقيقيا عن الانصياع للعالم المذل الذي كنت أحيا به، كانت نوعا من الافتتان بالانسحاب من حياة تعيسة مقدرة، وتلذذا غير محدود بتشوش الخيال، كنت موجودا بين القتلى، أو الموتى المؤجلين، وحتى أنا كنت مقتولا لا محالة، ولكني أشعر بنفسي جالسا مثل مشمشة برية نبتت خارج أحجار السور.

*

ترجلت من السيارة العسكرية وأديت التحية إلى الضابط. فأمرني بالدخول إلى الموضع شبه المعتم. تحت غشاوة أصوات الانفجارات والصور المتلاحقة كان المشهد يتلاشى شيئا فشيئا ويتشوه، لم أعد أرى شيئا، ما خلا ضربا من العتمة الباهتة، وليلا مبللا من المطر راح يحجب كل شيء، ما كان المطر ذلك اليوم الشديد العصف يكف عن الانهمار، صار كل شيء ماء، أكياس الرمل على باب الموضع، والجندي الحامل سلاحه، والكلمات التي تبادلناها، وهي تخفي في نهاياتها بلل الشفاه المقدر من ماء يسيل من الجبين إلى الذقن.

دخلت بخطى متباطئة، سلاحي بيدي، خوذتي الحديدية انحرفت قليلا دون أن أعدلها، ذلك أن أمتعتي على كتفي كانت تثقلني، وحذائي الضخم المتعثر بالماء والوحول كان يثقلني، وكل دقيقة كنت أتحسس كتبي الموضوعة في الجيوب الداخلية التي أخاطتها لي أمي، مضطربا من خشيتي عليها من البلل، ومدركا مظهري المضحك وخجلا منه أيضا.

 كنت ذلك الوقت أنشغل كثيرا بالمظاهر والأشكال الخارجية، وأعير اهتماما شديدا لهذه الأشياء السطحية، بسبب التربية وبسبب العمر، غير أن ما خفف هذا الأسى المفروض علي هي الابتسامات التي قابلني بها الجنود الأكبر سنا، وهم يحرسون عند واجهة الموضع، والذين حيوني تحية مودة. كانت ملابسهم الموحلة تقطر ماء..خوذهم الكاكية تقطر..ووجوههم الشابة منقوعة تماما، وإلى اليوم أتساءل أفي هذه الساعة من القتال، كان لهم الوقت لتحيتي، ولتقديم ابتسامة لن أنسى صداها أبدا؟

 تلفت في الموضع المختنق الصغير، كان أحدهم يحمل كتابا بيده مقتربا من فانوس صغير كي يقرأ على ضوئه الضعيف، وهذا ما أفرحني جدا.

اقترب العريف من الفانوس رفع زجاجاته من المقبض وأشعل سيجارته وأخذ ينفث الدخان في الهواء.

 شخص آخر كان يجلس بعيدا تقريبا عند الزاوية اليمنى، يجلس على ركبتيه وهو يزيت بندقية في يده، في هذا الموضع المحتشد بالعتاد والأسلحة والصحف والكتب، كانت مجموعة من الجنود أخرى تنام متكئة على جدار الموضع ومغطاة بالبطانيات.

نظرت إليهم: أرجلهم ملمومة إلى بطونهم، ورؤوسهم وجزء من الكتف والظهر متكئة على الجدار. أما أنا فقد كنت متعبا، وخائفا، ومشوشا كثيرا. هل في هذا اليوم ساعة الهجوم؟

قالوا: لا ...ربما غدا..

نظرت إلى العريف بابتسامة خجلة، وطلبت منه أن يسمح لي بالنوم مع زملائه الجنود النائمين على الجدار، فأنا متعب ومبلل وأريد أن أغفو قليلا..اضطرب قليلا حين أشرت لهم بيدي..

 نظر نحوي بصورة ثابتة، هز لي رأسه موافقا.

سمح لي دون أن يبتسم..وذهبت سريعا لأخلع أمتعتي عن كتفي دون أن أفهم شيئا من العيون.. عيون الجنود في الموضع، والتي أخذت تتلاقى مسرعة فيما بينها..

كنت وضعت أمتعتي على مقربة مني، واتجهت إلى المجموعة النائمة. اقتربت منهم، نظرت إليهم بسرعة ثم قلدتهم في نومتهم.

انطرحت بملابسي المبللة على الأرض، بحذائي أيضا، سحبت قليلا من البطانية المرمية على الجندي النائم قريبا مني، ووضعت رأسي وجزءا من كتفي على الجدار، ووضعت ركبتي قريبا من بطني مثلما لو كنت مقرفصا.

لم تكن مريحة هذه النومة، ولكن لم يكن ممكنا غيرها، علي أن أنام مثلهم كي أستطيع سحب بعض من البطانيات على جسدي. كان وجه الجندي النائم قريبا مني إلى الجهة الأخرى، غير أن قدمه كانت قريبة من قدمي، خارجة من البطانية بحذاء أسود وجوارب خضراء فاقعة. سحبت بعض البطانية منه ببطء شديد كي لا أوقظه. ما بقي في ذهني هو هذا اللون الفاقع للجوارب الخضراء التي كان يرتديها هذا الجندي النائم بالقرب مني، والذي شاركته بطانيته.

كنت يافعا جدا، أتعلم الحياة بدقة شديدة، وربما تشكل في نفسي هذه الشكليات قيمة كبيرة ذلك الوقت أسخر منها الآن.

 قلت: كيف استطاع هذا الجندي أن يتقبل هذا اللون من الجوارب مع بنطلون كهذا الذي يرتديه؟

 هذا اللون استفزني حقا، كان لونا فاقعا..وقد ضرب في مخيلتي عميقا.

*

أمضيت الليل كله، وأنا أغفو وأصحو على صوت القصف والانفجارات، كنت أسمع الصيحات البعيدة والنداءات، صور كوابيس الحرب والموت وهي تختلط مع أصوات الجنود الأحياء، وعلى صوت المورس القريب مني كنت أمضي بعيدا في أحلام حزينة مربكة..كنت أغفو وأصحو مرة بعد مرة، وما بقي عالقا في ذهني حقيقة هي صورة الجوارب الخضراء التي كان يرتديها هذا الجندي النائم بالقرب مني، والذي لم يلتفت نحوي كي أرى وجهه، لم ينقلب، لم يتحرك، لم يهتز، لم يشخر، لم يقل شيئا، لم ينتبه لوجودي أبدا.

كلما كان الليل يمضي، كان الفضول يستبد بي كي أعرف وجه هذا الجندي بجواربه الفاقعة، غير أنه لم يتحرك أبدا.

*

في الصباح فتحت عيني..كان الضوء يغمر الموضع..والقصف هدأ تقريبا، والجنود يمرون من أمامي ويتناقشون فيما بينهم، أما هذا الجندي بجواربه الخضراء لم يكن يتحرك أبدا، لا هو ولا الخمسة الآخرون الذين ينطرحون على جدار الموضع ويتشاركون بالبطانيات فيما بينهم، كل شيء كان ينطق ويتحرك، وهذه الأجساد التي تقابلني لم تكن تتحرك مطلقا، بعد دقائق امتدت يدي رغما عني نحوه، هززته قليلا..

-يا أخ..يا أخ..

لا صوت ولا حراك..سحبته قليلا ..ليصبح وجهه بمواجهتي تماما:

كما لو كان قد غفا منذ قليل، وجه صامت لا ينم عن أية حركة.. وجه شاحب قليلا، عيناه مفتوحتان نصف فتحة، وفمه فاغر تقريبا، شعره الأسود منسدل على جبينه، كان في العشرين من عمره..

نهضت..كاد الفزع أن يقتلني، صرخت محتجا:

-لماذا جعلتموني أنام مع القتلى الليل كله..؟

قال العريف:

-خشيت أن أقول لك هؤلاء شهداء..فترتعب وأنت في تجربتك الأولى مع الجبهة..

*

لقد أدركت لحظتها أن رؤية جندي ميت أكثر رعبا من موتنا نحن، موتنا نحن لن نراه أبدا، غير أن هذا الوجه يذكرنا بنهايتنا نحن وفنائنا. يذكرنا بلغز الموت، مثلما يذكر المرأة وجه طفل يولد للتو بلغز الحياة.

أهكذا سأنتهي أنا أيضا إلى جثة باردة، فما هي القدسية التي أخلفها لهؤلاء الرجال من موتي؟

لا عظمة في الموت في الحرب ولا رمزا مقدسا فيه.. إن وجه هذا الجندي الشاب لا يفضح فقط الحادثة الشنيعة لوجودنا في الحرب، فلو كانت هذه التراجيديا تتعلق بالموت فقط لما كانت تحتاج هذا التعليق كله، ولكنها تتعلق بالوحشية التي نريدها أن تكون مقدسة.

كنت أتساءل كيف يتحول موتنا إلى اختراع بطولي من قبل الآخرين، وهو موت ولا أكثر؟ كيف يتحول هذا القبر المفتوح الذي يفزع إلى ظل عميق من القداسة الدينية والوطنية، فننهض أمامه بصورة طقوسية وكأنه عمل جبار وهو موت ولا أكثر؟

أن نموت هذا الأمر لا يفزعني، لكن ما يفزعني أن يتحول الموت في الحرب إلى شيء مقدس، وتتحول الحياة إلى جثة تتكئ على الجدار تنتظر الرفش والمعاول كي ندفنها، نادرا ما يتحول الموت في الحرب إلى معرفة، نستنكر فيها الحرب، بل يتحول الموت إلى عمل جبار من شأنه أن يطيل أمد الحروب ويكررها.

وبينما كنت أتساءل عن موت هؤلاء الشباب هكذا دون بكاء، دون ضجة، هكذا هم مرميون مثل أكوام نفاية على أرض موحلة، أدركت لماذا تركني زملائي الجنود أنام معهم تحت بطانية واحدة,

أن هذه الوجوه المنطفئة لم تنفذ مطلقا إلى عالم أليف تعرفه، وهؤلاء الذين ينتظرون موتهم، لم أخطأ..لقد ابتسموا لي لأنني بعد قليل سأكون مع هؤلاء الشباب ميتا أيضا، رويدا رويدا ببلاهة وصبر سأفغر فمي مثل أي ميت آخر، أنتظر الحفرة والرفش والمعاول..

 

فصل من رواية تحت عنوان

اصمتوا قليلا أيها الجنود