Skip to content
from the August 2011 issue: The Arab Spring, Part II

Himar Bayna al-Aghani

 ارتدت " ثائرة " البالطو الأسود وغطت وجهها بنقاب أسود شفاف ، وخرجت من محبسها لرؤية الدنيا في جولة صباحية طويلة ، كانت تبدؤها بالتسوق ، وتنهيها بزيارة خاطفة لواحدة من معارفها .

وصلت إلى سوق " الحلقوم " الواسع المساحة قرابة الساعة التاسعة ، فوجدته هامداً وحركة المشاة خفيفة . كانت تعلم أن حركة البيع والشراء تنشط قبل شروق الشمس ، حين يتوافد أصحاب البقالات  من حارات مجاورة لابتياع ما يحتاجونه من تجار الجملة .

أخذت تمشط السوق وهي تمسك بيد عمر الصغيرة في كفها العريضة الناعمة كوسادة من حرير . تمشت بين الصناديق المصنوعة من الصفيح التي كانت تبيع كل ما يخطر على البال من أشياء مستعملة ، كالملابس والأثاث والموكيت والأجهزة الكهربائية والمواسير والأفياش ، بل وحتى الأحذية والأمشاط والمقصات والملاقط والمناديل القماشية ، وما شابه ذلك من أدوات شخصية جدا.

أحست " ثائرة " بالانقباض ، وفكرت أن هؤلاء الباعة الملاعين ، يعرضون للبيع حيوات أناس آخرين ، يعرضونها هكذا في العراء دون احترام للخصوصية .

لم تكن بحاجة لشراء شيء من تلك الأشياء المستعملة ، ففي حقيبتها العامرة دائماً بالنقود ما يكفي لشراء أكثر البضائع جدة ومسايرة للموضة في أسواق المُترفين ، ولكن الفضول ومشاعر الحزن التي تستثيرها في نفسها تلك الأحشاء المنزلية المعروضة للفرجة ، كانت تدفعها لإرضاء غريزة غامضة في روحها ، فتحن للتردد على تلك العلب السردينية الصدئة .

اكتسبت بتوالي الأيام خبرة في تصنيف مصادر المعروضات ، فالبضاعة التي تعرض قريبة من اليد ، هي التي تم شراؤها من مالكيها المُعوزين المُحتاجين لريالات قليلة يدفعون بها غائلة الجوع ، وأما البضاعة التي تعرض في مكان بارز للعين ولا تصلها يد الزبون فهي مسروقة ، جرى شراؤها من اللصوص الذين يسطون على المنازل ، وأما تلك البضاعة ذات الطابع الشخصي والمتروكة بعيداً عن عين البائع نفسه فلا يلمسها إلا مُجبرا ، فهي التي وصلت إليه بطريقة غاية في الخفاء، لأنها على الأرجح تعود ملكيتها لأناس توفوا حديثا .

كانت الشمس ترسل أشعتها الكاوية للجلود بوفرة ونشوة في هذه الساعة المُبكرة من النهار ، وكانت الرياح الباردة تصارع أشعة الشمس ، فتصنع زوابع هوائية متفاوتة الأطوال ما بين زوبعة قزمة لا تعلو قامتها عن المتر أو نصف المتر ، وزوبعة عملاقة تجاهد للارتفاع في جو السماء لعشرات الأمتار ، وواحدة من هذه الزوابع العملاقة مرت بالقرب من ثائرة ، فتغلغل الغبار إلى فمها وأنفها وعينيها ، واجتاحتها نوبة سعال وضيق في التنفس أعجزتها عن المشي ، فجلست على مصطبة تمسح وجهها بمنديل ورقي ، وأحست بجلدها كله مُتسخاً بالغبار الذي تسلل حتى إلى تلك الأماكن المحمية بالعديد من قطع الملابس .

تابعت المشي مُعتكرة المزاج صوب " المدج " المبنية حوانيته ومخازنه وممراته من الأقفاص بمختلف أحجامها ، وعبرت هذه المتاهة بسرعة وروحها تكاد تختنق من رائحة الدجاج الكريهة ، باحثة عن ركن بائعات الدجاج البلدي الريفيات .

سحرها منظر الأرض المفروشة بعدد لا يُحصى من الريش الأبيض ، وابتسمت حين خطر ببالها أنه لو لم تخترع الأقلام لكان بإمكانها انتقاء ما يحلو لها من الريش لتكتب أخيراً رسالة الماجستير عن نظام الحكم في الحضارة السبئية ، تلك الرسالة التي أهملت العمل فيها منذ تزوجت بعلي جبران قبل سنين ثلاث .

ذكّرها العجيج المُتعالي من وقوقة الدجاج ، وزعيق الباعة ، ومساومة الزبائن ، بضجيج المظاهرات الطلابية الحاشدة التي شاركت فيها احتجاجاً على رفع أسعار الوقود ، وأفلتت منها ضحكة خافتة لما تذكرت شقاوتها في تلك المرحلة ، يوم كانت تحمل كاميرا فيديو لتصور قمع شرطة مكافحة الشغب لزملائها بالعصي والغازات المُسيلة للدموع ، فلما انتبهوا لما تفعل ، طاردوها وأطلقوا عيارات نارية في الهواء لتخويفها ، فتوارت بين مجموعة من زميلاتها ، وأخرجت شريط الفيديو وخبأته بين فخذيها ، وعندما وصل الجنود صادروا الكاميرا ، ولكن واحدة من زميلاتها ـ كانت تعمل لحساب الأمن ـ نبهتهم إلى مخبأ الفيلم .. وامتدت عشرات الأكف الغليظة الخشنة تجوس في حنايا جسدها .

الشريط نفسه تكسر شقفاً متناهية الصغر ، وسروالها الداخلي الأبيض مزقوه شر ممزق ، وظلت بعد المظاهرة شهراً تعاني من الحكة بسبب ما تركته أظافرهم الوسخة من سحجا

August 2011
The Arab Spring, Part II
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.