View this article in English | bilingual

ألعبُ لعبتهم كي لا أُكوى بنارهم

كان علينا أن نتحدث ونناقش الأمر. موقف صعبٌ وجب علينا أن نجدَ له مخرجًا. يرفض تمامًا أن يشاركَني مع أي شخص آخر، وليس لديه أيُّ استعداد ليعيش معي في الظل، فيكون في المرتبة الثانية لي دومًا بعد عائلتي. لا يرضى أبدًا أن يكون عشيقي السري وشريكي في خيانة شخصٍ بريء.

بالمقابل أنا أريد أن أتزوج وأن أكوِّن عائلةً من المستحيل أن أكوِّنها معه. اقترحت عليه أن يتزوج هو أيضًا. هكذا يصبح لكل منَّا عائلته ونبقي على علاقتنا سرًّا بيننا. رفض هذا الاقتراح أيضًا. يعتبره كذبًا وخداعًا ونفاقًا. يرى أن الخطأ لا يُصحَّحُ بخطأ آخر، وبأن حاجتَه إلى عائلة وأبناء لا يبرِّر عَيشَ حياةٍ مع شريكِ عمرٍ مبنية على الكذب والخداع.

شرحت له بأنِّي لا أنظر إلى الموضوع من هذا المنظار. أرى أن الحياة الزوجية أكبر من الجنس. أعتزم توفيرَ كل سبل الراحة والأمان لِلَيلى. كما سأعمل على أن أعيش أحلى عيشة.

لم تلتَقِ وجهات نظرنا. افتراقُنا لحظتها كان خيارًا مرفوضًا، لا سيَّما بعد ان اجتررنا مرارته طيلة الأيام الماضية. توسَّلت إليه أن يبقى بجانبي ولو فقط طيلة فترة الخطبة، فأنا خائف من هذا الزواج وأحتاج إليه بجانبي.

وافق بامتعاض. عندها قررت أن أُشعرَه بأنه الأهم في حياتي. قررت ألَّا أتركَ مجالًا لأي موقف يظهر له أن لِلَيلى أهميةً أكبر منه. في الوقت نفسه كان عليَّ أن أعطي ليلى الاهتمام الذي تستحقه. لا أُشعِرُها بأن هناك شخصًا آخرَ يفوقُها أهمية في حياتي. لذلك وجب عليَّ أن أكون دائمًا يقظًا، مستعدًّا، ومتأهِّبًا لإشباع حاجات الاثنين وطلباتهما.

ليلى كانت جميلة، سهلة الطباع، ليست لديها متطلبات كثيرة. أرى السعادة في وجهها لحظة لقائنا فينشرح صدري لها. أُكثِرُ من إطرائها وأُشعِرُها بأنها أجملُ نساء العالم. تحمرُّ وجنتاها خجلًا. تحدِّثني عن مدى سعادتها وتطلُّعها إلى حياة مليئة باللحظات الفرحة معي. نمضي أغلب أوقاتنا في تحضير شقتنا وتعفيشها وترتيب أمور الزفاف. لم أكن أبخل عليها في شيء. أموري المالية عادت إلى طبيعتها ولم يعد هنالك ما نقلق عليه، ولذلك أخبرتها بأن لا تقلق على المصاريف، وأن تجهز للعرس الذي طالما حلمت به كما تخيلته.

عرفتها إلى سامر بصفته صديقي العزيز وأقرب الناس إليّ. لكونه رجلًا لم يكن شكلُ علاقتنا أمامها يثير أية شكوك. من الصعب أن تقرأ ما يدور بيننا. أحبَّته، وبوقتٍ قصير نَمَا بينهما نوعٌ من الصداقة والمودَّة.

كانت تقف دائمًا إلى جانبه كل مرة نخرج ثلاثتنا معًا. لا ينقذني من لسانهما سوى سلمى التي كانت دائمًا تقف في صفِّي.

اعتدنا أن نخطط لسهراتٍ في مقاهي عمان ومطاعمها نحن الأربعة. ليلى تخطط وترتِّب كل شيء، وعادة يكون سامر غير متحمس لتلك السهرات لأنه يفضِّل رؤيتي وحدي. كنت كل مرة أرجوه وأحاول إقناعه بالمجيء لأني أكون أكثرَ سعادة وارتياحًا بحضوره.

كنَّا نصادف بعضًا من معارفنا المثليين الآخرين في بعض الأحيان. عادةً كنت أشعرُ بالإحراج وأتجنَّب السلام عليهم، لا سيَّما إن كانوا من المثليين المؤنثين ممن يتحرَّكون ويتصرَّفون بنعومة.

أخاف أن تشعر ليلى بشيء. وقد لا أعرف كيف أجيبها إن سألتني عن سر علاقتي بهؤلاء الأشخاص.

في يوم من الأيام حصل ما كنت أخشاه. فجأةً وجدتُ تامر. شاب مصري التقيته في بيت صديق ذات يوم، ينادي باسمي ويسرع باحتضاني. سلَّمتُ عليه باقتضاب. حاولت إبعاده عن ليلى وتحاشي تعريفه إليها. شعرت بتأنيب الضمير ليلتها لعلمي بكم المصائب التي مرَّ بها هذا الشخص. لربما هو اليوم بحاجة إلى دعم الأصدقاء، ولربما ردة فعلي زادت من أحزانه.

كان قد صبغ شعره باللون الأشقر وأطاله قليلًا. يسرحه نحو الجهة اليسرى ويضعُ حَلَقًا صغيرًا في أذنه. رائحةُ بارفان أنثويَّة قويَّة تفوح منه. وجهه يلمع من ابْيِضاضٍ مصطنعٍ نتيجة المساحيق التي يستعملها.

مدَّ يده بنعومةٍ ودَلَعِ امرأةٍ أرستقراطية نحوي. غمزَني وهمس.

“هية دي العروسة؟ يا عيني عالموزز’’.

نظرت إليه بنظرةٍ حادة كي يخفض صوته. أنهيت الحديثَ بسرعةٍ ووعدته بأن أكلِّمه خلال أيام. 

***

كان تامر رجلًا مؤنثًا، أو امرأة، كما يحلو له أن يعرِّف نفسَه. يسمِّي نفسه ‘‘نوال’’ بين أصدقائه لشدة إعجابه بالمغنية اللبنانية نوال الزغبي. يحفظُ أغانيها كلها ويقلِّدها بحِرْفيَّة. ينتهز كلَّ فرصةِ تجمُّعٍ للمثليين في حفل لارتداء ثيابِ امرأة وعرض مواهبه بتقليد الفنانات.

عاش طفولته مع والدَيه في السعودية. منذ صغره وهو شديد النعومة. نمت معه حركاته المؤنَّثة في كبره.

أخبرني يومًا بحادثة في طفولته عند وصوله إلى الصف الثالث الابتدائي. حصلت عند فصل الذكور عن الإناث من مدرسة واحدة إلى مدرستين. عاد باكيًا إلى والده يسأله لماذا وضعوه مع البنين وليس البنات.

“لأنك ولد يا بابا’’ أجابه والدُه، ولكنه رد:

“لأ بابا، أنا بنت’’.

ظلَّ الأب مقتنعًا بأن ابنه ولد، والولد مقتنعٌ بأنه بنت... 

عندما كبر تامر، قرر والدُه أن يرسله إلى مصر ليكمل دراسته الجامعية ظنًّا منه أن حياة الرفاهية في السعودية هي ما صبغت ابنه بالأنوثة، وأن حياة مصر الشاقَّة قد تعيده رجلًا يفخر به.

عاش تامر بحرِّية أكبر في القاهرة بعيدًا عن أعين والدَيه. كوَّن صداقات عدة في مجتمع المثليين ومتحولي الجنس.

بدأ يتردد مع أصدقاء وبشكل دوري كل آخر أسبوع إلى باخرة في النيل قرب فندق الماريوت تسمى ‘‘كوين بوت’’ (Queen Boat). كانت ‘‘كوين بوت’’ تُعرَف بأنها ملهًى ليليٌّ يجتمع فيه المثليون للرقص والترفيه عن النفس والتعرف بعضهم  إلى بعض.

قررت الشرطة المصرية دَهْم الباخرة والقبض على الحضور في إحدى الحفلات. في تلك الليلة لم يكن تامر في مزاج للسهر، ولم يكن ينوي التوجُّه إلى ‘‘كوين بوت’’، لكنه رضخ للأمر مع إصرار صديقه.

لاحَظا سيارات للشرطة منتشرة في المنطقة عند وصولهما إلى منطقة ‘‘كوين بوت’’. خانهما عقلهما في تقدير الخطر فلم يدركا أن الشرطة دَهَمَت الملهى وألقت القبض على الحضور. عند اقترابهما من المكان بدأت الصورة تتضح لهما أكثر.

وجد تامر صديقه النادل في ‘‘كوين بوت’’ مَقودًا من قِبَل رجلين من الضباط. حاول النادل، ويإيماءة من وجهه تنبيه تامر للتراجع والابتعاد عن المكان. تلك الإيماءة لم تنجز مبتغاها، بل تحولت إلى أداة تجريم عندما لاحظها الضابط إلى يمينه فأسرع لإلقاء القبض على تامر.

بسبب شكل تامر الأنثوي، ونعومته الواضحة مقارنة برجال آخرين، فإن الضابط لم يكن بحاجة إلى التفكير مرتين قبل إهانته وزجِّه مع المقبوض عليهم من داخل الملهى في عربة الشرطة.

تملَّكه الرعبُ ليلتها وهو ينتقل من مخفرٍ إلى آخر مع المجموعة، إلى أن استقر بهم الأمر في أحد مراكز النيابة (أقسام الشرطة).

هناك بدأت الأمور تتضح أكثر وأكثر. بدأت عملية الاستجواب الدورية للمقبوض عليهم. كان هنالك إصرارٌ من الجهاز الأمني على نزع اعترافاتٍ منهم بممارستهم للشذوذ (الفجور). مع أنهم كانوا بالعشرات، فإنَّ الشرطة وخلال ساعات كانت قد أفرجت عن العديدين.

أفرجت عن الرجال ذوي الشكل الرجولي؛ لأن وعي الشرطة الثقافي يربط المثلية بالتأنيث. أفرجت عن العرب (من غير المصريين) والأجانب لأنهم خارج مخطط القبض ولتلافي أية مشاكل دبلوماسية. ومن ثم أفرجت عن الأشخاص أولاد أصحاب النفوذ بعد تلقيهم سيلًا من المكالمات الهاتفية. وأخيرًا أفرجت عن كل مَن يلبس ملابس داخلية بيضاء. فالمثلية الجنسية مرتبطة أيضًا في وعيهم الثقافي بالتأثير الغربي. وما دام ‘‘الكلسون’’ المصري التقليدي هو أبيضَ اللون، فإن مَن يلبس ‘‘كلسون’’ من لون آخر هو حتمًا متأثر بالغرب وفاقد الأخلاق.

لسوء حظ تامر في تلك الليلة كان يلبس ‘‘كلسونًا’’ أخضرَ اشتراه من أحد محالِّ إحدى الماركات العالمية كانت قد افتتحت فرعا لها في القاهرة قبل عدة أشهر.

استعملت الشرطة المصرية ليلتها عدة أساليب للتعذيب من أجل نَيل الاعترافات. منها كان تعريضهم للكلاب البولسية، وضربهم ببرابيج الأراجيل التي تشبه السياط، ورشقهم بالماء البارد. تامر تمنَّع عن الاعتراف أول الأمر، إلا أنه كان يرتعب من الكلاب منذ صغره، لذا عند رؤيتها تقترب منه، انهار ووقَّعَ الاعترافَ الجاهز المعدَّ له.

بعدها بعدة أيام وجد نفسه مَقودًا إلى مشفًى حكومي. في داخل غرفة عمليات اجتمع مجموعة من الأطباء والطبيبات. من أكثر المواقف المهينة في حياته، وجد تامر نفسه يُفحَصُ من مؤخرته، وبتقرير صدر بعد عدة ساعات ملخص بعبارة:

“مستعمل من الخلف’’.

كأنما سقط في كابوس مرعب، عاش تلك الأيام القليلة في السجن كأنها مشهد من مشاهد الجحيم غابت عنها العدالة الإنسانية، وبدا فيها البشر شياطين يتلذَّذون بتعذيب ضحاياهم.

سحابة من الظلم، والامتهان، والخوف غطَّت عالمه.

لم تكن تهمتُه الوحيدة هي الفجور، بل امتدت أيضًا لتشمل تهمًا أخرى ضمن اللعبة السياسية التي اتضحت له لاحقًا. بالإضافة إلى الفجور اتُّهم أيضا بعبادة الشيطان، واتباع جماعة دينية محرَّمة، والتعامل مع العدو الإسرائيلي.

ليس بعيدًا عن الأنظمة العربية استغلال شماعة الأخلاق لنيل شرعية شعبية وتحقيق نصر سياسي. مجتمع المثليين، ولرفضهم الاجتماعي والأخلاقي في هذه الدول، يُعدُّ من أوضح الأهداف وأسهلها. اللعبة السياسية، كما تبيَّن لتامر لاحقًا بعد مراحل المحاكمة، كانت أعمق وأشد قذارة.

شخص من عائلة رئيس سابق كان ينوي الترشح للانتخابات الرئاسية مقابل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. بسبب ثقل تلك العائلة السياسي، فإن النظام آنذاك شعر بالخطر وبضرورة التصرف قبل أن يتفاقم الأمر؛ إذ جاء تقرير المخابرات العامة التي بحثت تفاصيل حياة كل فرد من أفراد العائلة ليسلط الضوء على أحد أفراد تلك العائلة المعروف بميوله الجنسية المثلية. بالإضافة إلى ميوله الجنسية المثلية، كان ذلك الشخص يحب جمع صور له مع رجال آخرين في أوضاع جنسية مختلفة. كان أيضًا واسعَ الخيال، يسرح في خياله خالقًا شخصية أسطورية لرجل تتمناه نفسه. وقد وجد رجال المخابرات بين قصاصاته عباراتِ وَصفٍ تؤله تلك الشخصية الأسطورية لشدة ولعه بها.

أساس محكم لقصة فبركت لتثير رعب المجتمع المصري، وتقضي على أي أمل بمستقبل سياسي لتلك العائلة. تأليه الشخصية الخيالية تُرجِم في قصة الدولة على أنه عبادة الشيطان. والصور الجنسية كانت كفيلة بإثبات تلك التهمة. والشذوذ الجنسي صفة اعتادت الصحف العربية أن تربطها بطقوس عبادة الشيطان، والمجتمع المثلي حاضر لإكمال القصة كإثبات على وجود أتباع لتلك الجماعة.

كي يكتمل التنكيل الأخلاقي، كان لا بد من زج المؤامرة الصهيونية في القصة لجعلها قضية أمن دولة، لذا فقد أُضيفت إلى القصة زياراتٌ سابقة لذلك الرجل إلى الدولة العبرية.

ألقت الشرطة المصرية القبض على جماعة من الأشخاص الذين يمارسون الدعارة المثلية في الشارع قبل أسبوع من دَهْم ‘‘كوين بوت’’. كانت تلك العملية جزءًا من الخطة لدمج المجموعتين، وإضافة الدعارة إلى قائمة التهم. كل تهمةٍ من تُهَم تامر كانت كافية وحدها لغسله بالعار، وإعطاء ذريعة جيدة لسجانيه لمعاملته باحتقار والاعتداء عليه. كانت نعومته وحدها أيضًا كافية لتحريك المشاعر الجنسية لأحد سجانيه الذي يعاني، حالُه حالُ كثيرين غيره، كبتًا جنسيًّا في مجتمع مصري يرفض أي شكل من أشكال العلاقة بين الجنسين خارج مؤسسة الزواج.

بدأ السجان يحدثه بلطف. يحاول أن يستدرجه لإشباع رغبة جنسية في نفسه. عندما رفض تامر تلك التحرشات، هجم عليه السجان بوحشية واغتصبه. دوَّت صرخاته في أرجاء السجن. ارتطم صداها في جدران الزنازين الأخرى، فلم تنجح سوى في تأجيج وحشية السجان وزيادة إثارته.

لم يخبر تامر والده بذلك عندما جاء لزيارته في السجن. خجل من الاعتراف أنه تعرض للاغتصاب. لكنه امتلك شجاعته أمام القاضي وأخبره. اعتقد أن القاضي يملك شيئًا من الإنسانية وأنه قد يُنصِفه.

صدمته المفاجأة وكاد يسقط من طوله يوم أجابه القاضي:

“بص لنفسك، مين يلومهم؟’’

“مين يلومهم؟’’

لقد فات تامر أنه يعيش في أشد المجتمعات ذكوريةً على وجه الكرة الأرضية. مجتمع اختزل الأنثى في مادة جنسية تثير الرجل وتشبع حاجاته الجنسية. ثقافة نَمَت لتُلقي باللوم على المرأة عند أي اتصال جنسي خارج مؤسسة الزواج. المرأة هي المسؤولة عن صَون عفَّتها. أصبحت تعبيراتها الطبيعية عن أنوثتها أشبه ما تكون بدعوة مجانية للرجل لامتهانها.

اختلط تعريف المجرم والضحية. تبدلت أدوارهما. أصبح الرجل هو ضحيةَ شهواتٍ تثيرها المرأة بأبسط الحركات. هي المجرم لأنها استثارته، واغتصابها هو رد فعل تتحمل نتيجته هي وحدها.

وتامر هنا لا يختلف عن أية امرأة أخرى في نظر القاضي الذي يحمل تبعات تلك الثقافة. أنوثته الظاهرة دفعت السجان لاغتصابه، لذا فهو نفسُه مَن يقع اللوم عليه، وعليه أن يُعاقَب.

جاء الحكم بسجنه مدة عام تعرَّض فيها لكل أشكال الذل والإهانة والضرب والاغتصاب. بعد مرور العام والإفراج عنه، كانت الدولة تعيد المحاكمة تحت ضغط جمعيات حقوق الإنسان الدولية التي رأت بأن المحاكمة الأولى لم تكن عادلة. صدر حكم جديد ضد تامر بسجنه ثلاث سنوات بعد إعادة المحاكمة. حكمٌ لم يكن ليستطيع أن يطبقه بعد أن ذاق عذاب السجن في فترة حكمه الأولى، لذا فقد حاول الانتحار ليُنهيَ حياتَه.

لحسن حظه لم تنجح محاولة انتحاره. وبعد أيام، استطاعت جمعية حقوقية أميركية إخراجه إلى الأردن إلى أن تُرتَّب أمور لجوئه الإنساني إلى إحدى الدول الغربية. 

***

تبدو حياتي سهلةً مقارنة بحياته. وجدنا كلانا أنفسنا خارج الأسوار التقليدية لتعريف الرجل في مجتمعنا. هو أنوثته ظاهرة، فلم تسمح له بالنفاق والتمثيل ولعبِ الدور المطلوب منه. أما أنا فميولي الجنسية غير ظاهرة، أمارس جنسانيتي في السر، وأُظهِرُ للناس ما يريدون أن يرَوه. ألعب لعبتهم كي لا أُكوى بنارهم.

أعود لأجلس في مقعدي في المقهى. بجانبي من الناحية اليمنى خطيبتي، ومن الناحية اليسرى حبيبي. دورٌ مركَّب في مسرحية هزلية رسمها الراوي وسطَّرني بطلًا لها. أورثَني ميزاتٍ حيوانيَّةً احترفت تطبيقها للبقاء والتفوق في مجتمع تهمُّه المظاهر أكثر من الحقائق.