Skip to content
from the March 2016 issue

ولاعة حمراء في قلب السيد ميم

 

ضجر بحجم نهدي الفتاة الغريبة التي تجلس قبالتك. تخبرك أن اسمها هبة، وأنها تسكن في الحي المجاور. تنظر إليك باستغراب في حين تنشغل أنت بولاعة حمراء نساها أحدهم في شقتك. تشعلها وتطفئها وتفكر في مستنقع اليأس الذي يجثم على قلبك. تقف هبة وتتحرك جهة المرآة. تعدل شعرها وتمسح خطوط الكحل أسفل عينيها. الفتاة الغريبة التي أخبرتك ان اسمها هبة قد تكون  مريم أو ندى أو جيهان. لا يهم.

-      ما الذي سنفعله الآن.

تسألك بصوت مضطرب كأنه خرج لتوه من كابوس. تحول نظرك إلى الولاعة وتشاهد النار الخفيفة التي تخرج منها. تقربها إلى وجهك، وتلمع أكثر. تطلب منها أن تجثو بين ركبتيك. تفتح أزرار سروالك الجينز وتنزله قليلا إلى أسفل ثم تطلب منها أن تمصك. تصمت مترددة بعض الشيء، قبل أن تخرج من فمها ضحكة خفيفة. تبدو البلادة على ملامح هبة، لكنها تنزل إلى أسفل. تداعبه قليلا بشفتيها قبل أن تضعه في فمها. تصعد وتهبط في تثاقل. يستمر الأمر لدقائق، وتنظر أنت إلى رأسها بلامبالاة. يزعجها شعرها الأسود الذي يتساقط على وجهها. تتذكر أن ميلينا أيضا كان يزعجها شعرها. تلف شعر هبة الأسود الطويل حول يديك، وتمسك قلادتها بين أصابعك؛ بينما هي تصعد وتهبط. ثم تتوقف فجأة.

-       فمي يؤلمني. تخبرك وتنظر إليك النظرة البليدة ذاتها.

تجيبها أن الأمر لا يهم وتساعدها على الوقوف بيدك. بشرة هبة جميلة كجسدها الذي يشبه تماثيل النساء الرومانيات. ترتدي فستانا أزرق سماوي عليه ورود بيضاء، وحذاء بالرين. فستان هبة القصير يظهر فخديها الجميلين. فوق الفستان كانت ترتدي كنزة قطنية خفيفة لونها أبيض. نزعتها بعد أن دخلت إلى الشقة،  ووضعتها إلى جانب حقيبتها اليدوية الرمادية.

تنزع ملابسها بسرعة. تطلب منك أن تفك أزرار حمالتي نهدها من الخلف. تبتسم وتفكر في ذكريات قديمة أحببتها. تفعل ذلك، وتفك الزر بحركة خفيفة. تنظر باندهاش إلى ظهرها الذي يشبه ملمسه قطعة خشب عرعار مصقولة. جلد جسد هبة حليبي. دون عيوب.

تستلقي على ظهرها وتنظر إليك. تبادلها النظر وتركز على عنقها الذي ينفر منه عرق أخضر صغير يصعد قليلا قبل أن يختفي. تصعد فوقها وتجرها اتجاهك؛ ثم تنصت إلى الأزيز الصدئ للسرير الحديدي وأنت تنقل بصرك بين عينيها المغمضتين وبين الحائط الأصفر.

حين ينتهي كل شيء تكون غارقا في تعبك. تفكر في أوراق بيضاء فارغة على مكتبك وعن الأشياء التي قد تكتبها. تفكر أيضا في الأشياء التي نفقدها في صبيحة يوم هادئ دون أن ندرك الأمر. تتجه ناحية الحمام وتغسل جسدك، بينما تنتظرك هبة في غرفة النوم. حين تعود تجدها عارية تنظر إلى مرآة يدوية صغيرة وتعدل الماكياج على وجهها، وشعرها. تنظر إلى عينيها الصافيتين تبتسم لك وتحافظ على الصمت ذاته، قبل أن تقوم من مكانها وتحمل ملابسها. ترتديها على عجل وتخبرك أنها على موعد مع صديقة لها. تطلب منها أن تبقى معك قليلا.

-      لم أحدثك عن أشياء كثيرة تقول.

تضحك هبة بالبلادة نفسها وتنظر إليك نظرة تدل على القبول. تحكي لها أشياء تعرف أنها ليست معنية بها. عن ميلينا والله والعمل. عن الأطفال الذين حلمت بهم يحيطونك في حديقة خضراء ويصرخون في فرح. تبقى جامدة وتنظر إلى التمثال الصغير الموضوع على المنضدة. تمثال امرأة بأجنحة سوداء وعيون جافة. تتوقف عن الحديث حين تنحني لتلبس جوراب النايلون البنية الطويلة. لم تنتبه قبل ذلك إلى أنها تضع جوارب. تنظر إليها وتفكر في الولاعة الحمراء التي تداعب بيديك.

 تشعل النار من جديد وتفكر في ليالي الشتاء البارد التي انتهت، وفي طائرة ورقية صنعتها ميلينا في مقهى اعتدتما الذهاب إليه. طائرة ورقية كتبت عليها كلمات صبيانية و"أحبك" ورمتها عاليا في سماء المقهى الذي كان فيه أشخاص قليلون يتحدثون بانطفاء الضجر الصباحي. ارتفعت قطعة الورق مسافة أمتار قليلة، ثم سقطت على الأرضية الرخامية.

-      سأذهب تقول هبة بصوتها الطيب. وتبتسم ابتسامة عريضة.

تضحك وتجرها ناحيتك. تجلس على فخذك، "أتعرفين لا يهمني أن أمارس الجنس معك، كل ما في الأمر أنني أردت بعض الرفقة"،  تقول لها. تجيبك هي بعدم اكتراث: "كلشي مزيان".

تبتسم أنت الآخر ببلادة وتخرج من محفظتك النقود. تعود إليها وتضعها في حقيبتها اليدوية، قبل أن تنحني وتقبل وجنتها. تخلل أصابعها في شعرك وتقبل ذقنك النابت، قبل أن تتوجه إلى باب الشقة. تلتفت وتقول لك: "باي باي"، قبل أن تغلق الباب وراءها. تفكر أنت في أنها لم تكن تضع أي عطر (وربما لم تنتبه له لأنه أحد التفاصيل التي لا تهم). غير أنك تشتاق إلى رائحة الفانيلا التي كانت تملأ جسد ميلينا آخر مرة التقيتما فيها.

تقوم متثاقلا وتشغل أغنية على الحاسوب النقال. كانت صاحبة الولاعة الحمراء هي ميلينا. ميلينا التي كانت تحب الأغنية التي تستمع إليها الآن.

وحين تنتهي الأغنية، تفتح النافذة المغلقة. يدخل هواء خفيف إلى الغرفة. تضغط على الولاعة بأصابعك. قبل أن ترميها إلى الشارع. ترتطم بالأرض بقوة، بينما تنظر أنت إلى قطعة زرقاء من السماء لم تغطها البناية المقابلة.

______________________

Read more from the March 2016 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.