Skip to content
from the November 2017 issue

كل هذا الهراء

فوجئ شريف نفسه بمدى تورطه في حب بهاء، بانغماسه الكامل في هذا الحب، وبانطلاقه الحر غير المشروط في تبعاته. صار هذا الحب فرصة أخرى، ربما وحيدة، لاستعادة الأمان العاطفي والشعور بالقوة. لكن تحقيق ذلك
.في نظر شريف - تطلب أمرًا آخر، وهو نهاية عصر الإنكار. وهذا هو مصدر تململ شريف الدائم إزاء موقف بهاء المؤيد للإنكار -
.مع الوقت، تحول التململ إلى رفض، ثم إلى تمرد، ثم إلى أزمة
انفجرت الأزمة في 22 مارس، اليوم التالي لعيد الأم، والذي احتفلت فيه العائلة ببلوغ الأم سن الستين، وأغدقت فيه الأم حنانها ومحبتها على ابنتها وابنها، وأخبرته أن لديها عروسة له، يمكن أن يخطبها ثم يتزوجان عند تخرجه. قال شريف لبهاء إنه لا يستطيع مواصلة الحفلة التنكرية التي يعيشها، ويريد إعلان علاقتهما. نظر إليه بهاء مطولًا - كان يعرف أنه جاد فيما يقوله، ولم تكن تلك أول مرَّة يقول فيها هذا الكلام، لكنه شعر من نبرة صوته ومن نظرته بشيء مختلف هذه المرَّة. اعترض، وحاول إفهامه أن هذا انتحار، وأن الأمر لا يتعلق به هو وحده بل ببهاء أيضًا، وبعائلتين، وأصدقاء، ومجتمع كامل بثقافة وتاريخ القمامة المتراكمة عبر العصور. لكن شريف صمم. بهاء واصل الاعتراض: قال لشريف إنه ينظر إلى الموضوع من داخل ذاته هو، ولا يراه من منظور من يحب - بهاء. أمسك به من كتفيه وقال ضاحكًا إن عليه التوقف عن لعب دور الذكر، وأن يحاول رؤية الأمور من وجهة نظر غيره. لكن شريف لم يكن يسمع. دافع عن نفسه وعن وجهة نظره دفاعًا مستميتًا لا يترك مجالًا كبيرًا للتفاهم. فهم بهاء اختياراته: إما الاستسلام لرغبة شريف ودخول هذه المغامرة غير المأمونة، وإما
.الانسحاب بهدوء من الآن - سيكون ذلك مؤلمًا لكنه سيعيش، وسيتفهم شريف عدم قدرته على مواكبة عزيمته
كان هناك خيار ثالث تحدثا فيه أكثر من مرَّة، وهو مغادرة مصر والاستقرار في مكان آخر، غالبًا نيويورك. استغرب بهاء الفكرة حين طرحها شريف أول مرَّة. كيف نسافر؟ ليس الأمر بهذه السهولة. كيف سنحصل على تأشيرة أصلًا؟ وعمل؟ والمال اللازم لهذا؟ ثم ماذا سنفعل في نيويورك ونحن لا نعرف فيها أحدًا؟ رد شريف وقتها ردودًا عائمة: لديه بعض الأصدقاء الذين سيساعدونهما، لديه بعض المال، حياة جديدة حرة، وغير هذا. من
.وقت إلى آخر يعود إلى هذه السيرة ثم يصمت أمام تردد بهاء
هذه المرَّة سأله بهاء إن لم يكن من الأفضل لهما السفر بدلًا من هذه المقامرة وما قد يتبعها من بهدلة ستضطرهما في النهاية إلى السفر. رفض شريف: «قد يكون السفر طريقًا أسهل، أو أسلم، لكنه يعني التخلي تمامًا عن فرصة الحياة في مصر». صمت بهاء وفكر قليلًا ثم قال إن العكس هو الصحيح، فلو أعلنا علاقتهما الآن، وأدى رد الفعل إلى سفرهما، فمعنى هذا القضاء على أي فرصة لهما للحياة في مصر في المستقبل. اختلفا، ظلا يتناقشان
.ثمانية أيام، وجهًا لوجه، وفي رسائل على الواتساب
بعد عدة أيام أقر شريف أنه يريد معركة بغض النظر عن أي شيء كي يستعيد نفسه التي يشعر بفقدانها. قال بهاء إنه يفهمه لكنه لا يشاركه هذه المشاعر. لماذا كان الإنكار أسهل لبهاء وأقل وطأة؟ قال: «ربما هي طبيعتي، ربما أكون أكثر عملية منك، ولهذا أفصل بين مقتضيات الظروف وبين شخصي». لا يشعر بهاء أن حياته الجنسية تهم الآخرين، لا سلبًا ولا إيجابًا، ومن ثَمَّ لا يعنيه رأيهم. حين يذكر له أحد الزواج يرد بسخرية، وتنتهي
.المسألة هنا. لم يحاول في يوم من الأيام أن يخبر أحدًا من عائلته أو حتى أصدقائه بميوله، لم يضع أحدًا في هذا الاختبار، ولا يجد صعوبة في مواصلة ذلك
لكنه لا يريد ترك شريف. ربما لأنها علاقة الحب الوحيدة في حياته، ربما لأنها جلبت له استقرارًا كان يفتقده من دون أن يعلم، ربما لأن شريف، على الرغم من تمحوره حول ذاته، شريك مريح، وهذه الراحة خلقت لبهاء واحة من الاحتواء وسط حياة عسيرة. في نهاية اليوم الثامن أخبره بهاء أنه غير مقتنع، ولكنه لن يتخلى عنه. سيمضي معه في هذه المقامرة، بشرط أن يبدآ فورًا في الإعداد للهجرة حتى يكون لديهما مخرج للطوارئ في حالة
.انفجار الموقف في وجهيهما. وقد كان
تداعت فصول الكارثة بسرعة، ولا أظنهما قدرا حجم التداعيات لما فعلاه ساعتها. قررا أن يخبرا دائرتهما المقربة في البداية. كتب شريف على صفحته في فيسبوك سطرين، قصر إمكانية رؤيتهما على أصدقائهما المقربين فقط، يعلن فيهما أن كل الحب مباح، وأنه وبهاء عاشقان، وأن حرية الاختيار حق لكل فرد، حتى لو اختلفت الغالبية مع هذا الاختيار. وجلس هو وبهاء ينتظران رد الفعل. لم يعلق أحد لعدة دقائق، ثم توالت رسائل خاصة في
.بريدهما، تستفهم. فأعادا شرح ما قاله شريف، وهنا بدأ الانهيار
سأل أحدهم لِمَ يعتقدان أن حياتهما الجنسية تهم أحدًا، أم أنهما يريدان اصطناع بطولة بإحراجهم؟ ولِمَ في هذا التوقيت بالذات؟ قال بعض الأصدقاء إن هذا إعلان سياسي، وغبي، فهما بهذا يخدمان الإخوان عن طريق تشويه الفكرة الليبرالية في ذهن غالبية الشعب بربطها بالشذوذ الجنسي. رد شريف بشيء ما عن الحرية وعدم تجزئتها، فقال أصدقاؤه إن للحرية حدودًا في كل مجتمع وهذه حدودها في مصر في الوقت الحالي. أرسل بعض معارفهم المثليين رسائل مذعورة: لِمَ هذا؟ لِمَ يفضحان الدنيا ويفتحان أبواب الجحيم على الجميع؟ أليست هذه أنانية؟ هل يريدان الشهرة؟ هل يريدان اللجوء لبلد أجنبي، وعلى حساب المضطرين للبقاء في هذا المستنقع؟
وهكذا، من وسط عشرات ممن ظنا أنهم أصدقاء مقربون لهما، لم يدافع عن حقهما في الاختيار سوى عدد صغير جدًّا. ثم تواروا تمامًا وقطعوا علاقتهم بهما، حتى على فيسبوك. في حين انقض الباقون عليهما باعتبارهما
.ساعين للشهرة والبطولة وتافهين بل ومصدرًا للخطر
.ابتأس بهاء في حين استشاط شريف غضبًا وبشكل تلقائي، ومن دون تشاور مع بهاء، أمسك بتلفونه وبضغطتين على الشاشة غيَّر جمهور الإعلان من «أصدقاء مقربين» إلى «العامة». وهنا بدأ الانهيار الكبير فعلًا
استغرق صراخ بهاء المعترض، وغضبه النادر، حوالي دقيقة أو اثنتين، خلالهما ظلت صفحة شريف بلا تعليقات جديدة. ثم توالت التعليقات بلا توقف. «أصدقاء» يعلنون صدمتهم في بهاء وشريف، وآخرون يبدون الندم على الثقة التي أولوها لهما. بعضهم تساءل عما إذا كانا يغتصبان الأطفال أيضًا، أو عما إذا كانا قد تحرشا بهم هم من دون أن يلحظوا. أنصار التيار الإسلامي الحاكم ومحبوه ومحترموه انقضوا عليهما كما هي العادة، بالمئات، بالسباب والوعيد والتبشير بسوء المنقلب والمصير، وتبعهم مئات من الشباب الثوري الطاهر الذي أدانهما وأعلن التبرؤ منهما، متسائلًا عن هوية من دسهما على التيار الثوري وما إذا كانا «أجهزة». وهكذا تحول إعلانهما
.سريعًا إلى ساحة إضافية للصراع السياسي المعتمل في البلد. أما الجانب الشخصي فقد تم التعامل معه بهدوء ومن دون ضجة
تلقى شريف رسالة من جيهان، من كلمة واحدة: «حقير». ثم اتصل تامر- ابن عمتي - بشريف وخيره بين إرسال استقالته هو وبهاء فورًا وبين الرفد. ثم قال له إن أمامه 24 ساعة ليقرر، وطلب منه عدم المجيء إلى الشركة في أي حال لأنه جمع أوراقهما ومتعلقاتهما وسيرسلها إليهما. اتصل بي شريف على الفور وقال إنه كسب الرهان. فهمت، ولم أصدق. تامر! كيف؟ من أين أتاه هذا الاستبداد؟ حاولت أنا مناقشته لكن من دون جدوى. كان مغلقًا
.تمامًا، تمامًا
بهاء غضب بشدة على شريف، فالاستئثار بمثل هذا القرار المصيري جريمة في حد ذاته، ويعكس إما تمحورًا جنونيًّا حول النفس وإما احتقارًا ضمنيًّا لبهاء واعتقادًا بأنه كتلة يحملها شريف لا قيمة حقيقية لرأيها. غضب بهاء غضبًا حقيقيًّا وقال إنه لولا هذه الظروف لترك شريف على الفور. شريف أيضًا غضب وقال إن موقف بهاء هذا يشي بعدم فهمه لأعمق مشكلات شريف في الحياة. لكن الوقت لم يسعفهما لمواصلة الشجار، ولن يسعفهما قبل
.وصولهما نيويورك. بدأ الانهيار الأكبر بعد ذلك بعدة ساعات: العائلتان.
أخت شريف أول من اتصل. بادية الاضطراب، قالت له إن صفحته على الفيسبوك تمت سرقتها، ومن سرقها كتب عليها كلامًا مشينًا يهدف للإساءة له. ابتسم شريف وقال لها إن الصفحة لم تُسرق. صمتت. وظل الصمت لحظات طويلة، ثم سألته بصوت متكسر: «ماذا يعني أن الصفحة لم تُسرق؟ هل رأيت المكتوب عليها؟». أجاب شريف بآلية أنها تقصد ولا شك ما كتبه عن علاقة الحب التي تربطه ببهاء. صمتت، طويلًا. ثم قالت: «نعم»، وعادت إلى الصمت. ثم قالت: «ولكن»، وعادت إلى الصمت. ثم سألته: «فعلًا؟»، فأجاب: «نعم». فسألته: «هل جُننت؟ ما هذا؟ ماذا تقول؟ أنت؟ أنت يا شريف؟». أجاب: «نعم»، فعاودت الاستفهام، والاستنكار، لم تكن تستطيع التصديق، لعله مخطئ، لعل هناك علاجًا، لعل... وهو يحاول الحفاظ على هدوئه والرد بوضوح ورِقة في الوقت نفسه، وهي تتخبط، ثم قالت شيئًا عن العائلة: ألم يفكر في أمه، في أبيه، في أقاربهم، في منظرهم، فيها
.هي؟ «ما هذه الأنانية؟ هذا كابوس، أنت جُننت، جُننت، ماذا حدث لك؟ الله يخرب بيت الثورة وأيامها، هذا ما أخذناه منها، غير معقول!». وانهارت في البكاء وهي تغلق الخط
رد فعل أخته نموذج حنون لردود الفعل التي تلقاها من عائلته. رد فعل أبيه حمل المضمون نفسه، لكن بقسوة وشدة وعنف، وصفعة على وجهه بدت خارجة عن السياق وغير ضرورية، كأن الأب شعر بواجب صفع ابنه في هذا الظرف الحاد، ثم أضاف في نبرة عماد حمدي في فيلم «الخطايا» أنه لا ابنه ولا يعرفه «ما لم يتراجع عن هذا الهراء ويعلن سرقة صفحته على «الفيسزفت»، بل ويغلق هذه الصفحة اللعينة برمتها، ويبحث عن علاج لهذا الشذوذ أو حتى يكف عنه لأنه لا يعتقد أنه يحتاج علاجًا أو أنه شاذ بالفعل، لكنه تأثر بالجو الموبوء الذي طفح في البلد ويريد أن يكون مختلفًا عن الآخرين». أقارب شريف اختفوا، لا أحد اتصل به ولا قال له شيئًا بأي طريقة،
.لكنهم اختفوا جميعًا من صفحته على الفيسبوك
أهم رد فعل جاء من أمه، التي صمتت تمامًا. بدا وكأنها كبرت في السن، ولازمها تجهم وتيبس لملامح وجهها لم يفارقه بعد ذلك. لم تتصل به، هو الذي ذهب ليراها، وخرجت من غرفتها بعد حوالي نصف ساعة من وصوله، بلا تعبير على وجهها وبنظرة زجاجية لا تراه. سألته عن العمل وعما إذا كان يأكل جيدًا، وعن شقته وتنظيفها، ثم لا شيء. حين قال لها إنه يريد محادثتها في موضوع حساس قامت من مقعدها وقالت إنها متعبة، ولا طاقة لها
.بالموضوعات الحساسة، وربتت على كتفه في شبه حنان ومضت عائدة إلى غرفتها
رد فعل أهل بهاء كان أبسط بكثير: استدعوه إلى المنزل، وحين ذهب وجدهم جميعًا في انتظاره. سأله أحد إخوته إن كان ما نشره «صاحبه» على الفيسبوك صحيحًا، فأومأ بهاء في خجل، وهنا اندفع إخوته الثلاثة نحوه وأوسعوه ضربًا حتى أمرهم الأب بالكف فتوقفوا، تاركين بهاء مكومًا على الأرض وبه كدمات على وجهه وذراعيه وساقه اليمنى. قام الأب فبصق على بهاء ومضى، ثم أخبره الأخ الأكبر بأنه مطرود من البيت ومحرم عليه العودة أو الاتصال أو حتى دخول شبرا الخيمة برمتها، وإلا سلموه بأنفسهم للشرطة بأي تهمة وتخلصوا منه ومن نجاسته إلى الأبد. ثم ألقى في وجهه بكيس يحتوي على ملابسه، طالبًا منه الرحيل فورًا. وطيلة هذا الوقت،
.كانت الأم تخفي وجهها في طرحتها، وربما كانت تبكي
وطبعًا كانت هناك حملة التأييد لشريف وبهاء. أناس لا يعرفانهم ولم يلتقيا بهم من قبل، أخذوا على عاتقهم الدفاع عن حق شريف وبهاء في الاختيار. في البداية انبهر شريف وبهاء: #حق_الاختيار، و#متضامن_مع_بهاء_وشريف وغير ذلك. مدونون مشاهير وقيادات شبابية ثورية وكتاب وإعلاميون انضموا إلى الحملة، وطلب كثيرون مقابلتهما للتضامن معهما. في البداية وافقا، وجاء بعض هؤلاء المشاهير والتقطوا  
 .صورًا معهما وضعوها فورًا على انستجرام وبقية الشبكات الاجتماعية، ثم اختفوا، إلا من تعليقات من حين إلى آخر تؤكد المعنى نفسه
شريف وبهاء توقعا معظم ردود الفعل هذه - وإن لم يتوقعا حملة المتضامنين الانتهازيين. لكن التوقع شيء والتجربة نفسها شيء آخر تمامًا. سهل أن تقول: «سيقاطعني أهلي» أو «سيشعرون بالعار ويتبرأون مني»، لكن أن
.يحدث لك ذلك فعلًا! أن تشعر بهذا الصمت، بهذه البرودة، بهذه الجفوة بينك وبين أمك! حدة الشعور فاجأتهما، كما فاجأتهما شدة الألم الذي شعرا به
لم يتوقعا هذا. لم يتوقعا أن يؤثر رد الفعل فيهما إلى هذه الدرجة. والأكثر من ذلك، لم يشعرا بأي راحة نتيجة إعلانهما لميلهما. حتى شريف الذي كان الإنكار أزمته، لم يشعر براحة، بل على العكس، زاد شعوره بالضيق وبالحصار والعزلة والتجريم. هذه هي المشاعر التي كانت تعتمل داخله في أثناء سنوات الإنكار والتنكر، وكان يظن أن الإعلان سيقضي عليها، لكن في الحقيقة لم يؤدِّ الإعلان إلا إلى إخراجها من داخله ونثرها حوله، بحيث
.أصبح يشعر بها تحيط به من كل جانب: في الشارع، في العمل، وحتى على صفحات الفيسبوك
حل صمت عميق على حياتهما، ولفهما، وعزلهما عن العالم كأنهما يتحركان في حوض سمك. توقفت حياتهما المهنية بعد طردهما من الشركة. قال شريف لبهاء ألا يغتم، فيمكنهما إنشاء شركة خاصة بهما، ويمكنهما تركيز
.عملهما على العملاء من خارج مصر. صمت بهاء ولم يرد. فغضبه على شريف يمنعه عن الحديث بصدق في هذا الأمر، لكن صدمته مما يحدث لكليهما أكبر، وتمنعه عن إثارة المشكلة النائمة بينهما
وفي كل الأحوال انهارت حياتهما الاجتماعية: لا أصدقاء، لا معارف، لا عائلة طبعًا، لا أحد. لم يكن شريف في يوم من الأيام جزءًا من «الجماعة المثلية»، ولا حتى بهاء، والآن لم يعودا جزءًا من أي جماعة أخرى. ذهبا إلى «لفت بانك» في وسط عاصفة الصمت هذه، وحين دخلا من الباب صمت المكان فعلًا. معظم الموجودين يعرفونهما، وصمتوا تمامًا حين رأوهما يدخلان، وصمت من لا يعرفهما دهشة من موجة الصمت المفاجئ هذه. أحمد عيد، صديقنا المشترك، كان لطيفًا معهما كعادته، أخذ طلباتهما وأحضرها ومعها طبق فاكهة هدية منه. لكن التوتر في المكان طغى على كل شيء آخر، وبعد خمس دقائق قال بهاء إنه لا يستطيع البقاء أكثر، فدفع شريف
.الحساب وقاما راحلَين، تاركَين اعتراضات أحمد عيد المهذبة من دون رد
.ثقل الصمت عليهما، وعندما انفجرت الكارثة الأكبر افتقدا هذا الصمت كما لم يفتقدا شيئًا في حياتهما
حلت الكارثة النهائية في دقائق معدودة. كانا جالسين في شقتهما ذات مساء بعد عودتهما من العمل، وفي تمام العاشرة دق الباب بعنف، فقام بهاء ليرى مَن هذا الذي سيحطم الباب، وعندما فتح دفعه رجلان ثم اقتحم عديدون الشقة - منهم بعض الجيران. قُبض عليهما واقتيدا إلى القسم ليُعرضا على النيابة في الصباح التالي. وطبعًا حدث لهما ما يُتوقع حدوثه في قسم الشرطة. لم يغتصبهما أحد، لحسن الحظ، لكنهما ضُربا وأهينا كما لم يُهانا من قبل أو من بعد. وانتشرت صورهما على الإنترنت وهما في طريقهما للقسم، ثم صور أخرى لهما شبه عاريين، غالبًا بعد ضربهما وخلع ملابسهما في القسم. ثم تم ترحيلهما للنيابة في الصباح حيث وجِّهت لهم تهم متعددة، منها
.ممارسة الرذيلة والشذوذ والفجور والحض عليها
وكيل النيابة كان متعاطفًا معهما. قال إن الذي بدأ هذه القصة هم الجيران، وفي مقدمتهم صاحب البيت. الشرطة لم تكن متحمسة، لكن صاحب البيت وبقية الجيران هددوا باقتحام الشقة بأنفسهم والتعامل مع شريف وبهاء
.بطريقتهم. الضابط أبلغ وكيل النيابة، ورأى الاثنان أن القبض على بهاء وشريف أخف ضررًا من عواقب اقتحام شقتهما بمعرفة الجيران. ومن ثَمَّ صدر أمر التفتيش والقبض
امتلأت الصحف بأخبار القضية، وصورهما، وكانا محطمَين من صدمة القبض المفاجئ عليهما، ومما لحق بهما في الحجز، ومن «تحقيق» النيابة، والطبيب الشرعي الذي كشف عليهما، ومن القصص والصور المنتشرة في
.وسائل الإعلام كلها، ومن جيرانهما الذين كانت علاقتهما بهم ممتازة حتى أسبوع مضى، ومن حياتهما برمتها
من حسن حظهما أن بعض المنظمات الحقوقية التقطت قصتهما في ليلة القبض عليهما، وأرسلت محامين لمساعدتهما أمام النيابة. قرر وكيل النيابة الإفراج عنهما بكفالة حتى المحاكمة، وأوعز لمحاميهما أن يتصرف بمعرفته خلال هذه الفترة. أعطاهما المحامي مفاتيح شقته ليمكثا بها، وذهب إلى شقتهما ليجمع ملابسهما ومتعلقاتهما الشخصية التي لم تحرزها الشرطة أو تدمرها، وأهمها جوازا سفرهما. في اليوم التالي اشتريا تذكرتي سفر إلى
.نيويورك على خطي طيران مختلفين، وفي اليوم الذي يليه غادرا مصر إلى نيويورك، بلا رجعة
!من حسن حظهما أن تمكنا من السفر - 
بهاء لم يكن يريد السفر، حتى آخر لحظة. وأظن أنه تعيس هناك، على الرغم من محاولات شريفالإيحاء بأن سعادته مشتركة. لكن المحامي أخبرهما أنهما إن أرادا الفرار فهذا هو الوقت، قبل أن تكبر القضية ويضطر - 
.وكيل النيابة المتفهم حتى الآن لإصدار أمر بمنعهما من السفر أو حبسهما احتياطيًّا
!برافو على المحامي، وعلى وكيل النيابة - 
فهمتِ؟ عرفتِ ألا أمل؟ عرفتِ أن المشكلة ليست فقط في استبداد الدولة ولكن في تخلف المجتمع نفسه وقسوته؟ - 
أنا مرهقة. ما هذا الظلام؟ كم الساعة؟ - 
   السادسة: متى تذهبين إلى المطار؟ - 
 

Read more from the November 2017 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.