Skip to content
from the November 2017 issue

“فصل من رواية ”سِفْر الاختفاء

16

علاء

الساعة الآن إقتربت من منتصف الليل وأنا أشعر بتعب شديد لدرجة لا أستطيع فيها النوم. أتذكرين ذلك المساء عندما نمت عندك في يافا قبل شهر من انتقالك للعيش مع أهلي في الأشهر الستة الأخيرة. كنت أتقلب على سريري وذهبت إلى المطبخ لشرب الماء ربما خمس مرات؟ لعلك سمعتني. كيف لا وأنا قضيت نصف الليل بين السرير والمطبخ والحمام. أتيت أنت من خلف العتمة بعد أن سبقك إليَّ صوتك وسألتني إذا كنت أريد أن أشرب شاياً بالنعنع.

كأنك عرفت، دون أن تسألي، أنني لم أتمكن من النوم في الغرفة المجاورة وأنني أبحلق في الصمت. الصمت وليس الهدوء. في الهدوء راحة بال، أما الصمت فكأن فيه انتظاراً لمجهول. ابتسمتُ قبل أن أرى وجهك لأنني سمعت صوتك ورددت ”يا ريت“. شربنا الشاي معاً ولم نقل شيئاً يذكر. جلسنا نراقب الصمت الذي فينا والذي حولنا. كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها أنك تعبت من الحياة. جلسنا ساعة كاملة وشربنا أبريق الشاي بالنعنع كله، كأساً تلو الأخرى دون أن نقول الكثير باستثناء كلام عن النعنع وطعمه. قلت إن للنعنع أحياناً طعم زنخة. لم أوافقك ولكن منذ أن قلت هذا وأنا أشتمّ للنعنع طعم زنخة. عندما أعيد تركيب حياتك كشريط استغرب أنك لم تتعبي من الحياة قبل أن تقطعي عقودك الثمانية. أو لعلك تعبت دون أن أنتبه أنا؟ ولكن أنا من ماذا تعبت؟ لماذا أشعر بهذا التعب القاتل؟ قلتِ مرة إن الإنسان يموت عندما يفقد الأمل وطعم الحياة. هل قلت أنت كل هذا أم أنني أتصور ذلك؟ ”تصبح على خير يا تاتا...“ قلت لي بصوت هادىء كالليل وذهبت لتنامي.

مجنونة، مجنونة قالت أمي عنك عندما اكتشفت أنك اشتريت كفنك وحضّرته. سألتها كيف عرفتْ؟ ”ستك هي إلي قالتلي“. كانت دائما تتحدث عنك كـ”هي“ و”ستك“ نادراً ما سمعتها تقول ”إمي“! عشر سنوات قبل أن تغادري. اشتريت كفنك عشر سنوات قبل أن تغادري! وماذا عساني أن أسمي موتك، غير المغادرة. كان بإمكانك أن تمكثي أكثر معنا، لأن وجودك كان يجمعنا ويعطي حياتنا نكهة خاصة. كنت جدتي الوحيدة. فأهل أبي تركوه مع عمه وهُجروا إلى الأردن ولكنهم لم يعودوا. ولا أحد يعرف ما الذي حدث معهم على الطريق. ربما ماتوا في إحدى المجازر. خافوا عليه لأنه كان صغيراً وأبقوه عند عمه كي يرتبوا أمورهم في عمان. لكن  لم يسمع أحد شيئاً منهم. ذهبوا ولم يعودوا. عندما كنا نقوم بجولات مدرسية في الجليل أو أي مكان آخر كنت أتساءل: هل يجب أن أخفف الوطء؟ هل أمشي فوق جثث من مروا  هنا، من انتكبوا؟ هل أمشي فوق أرض عبارة عن جثث تحللت؟ كأنني أمشي على جثث عندما أمشي في فلسطين. في رأسي دائماً تلك الصورة لجموع هائلة من البشر تغادر في فزع. كنت يتيم الأجداد، إلا منك. هل نتنفس الجثث التي تحللت؟ ماذا نفعل بكل هذا الكم من الحزن؟ كيف لنا أن نبدأ من جديد؟ ماذا نفعل بفلسطين؟ تعبت أنا أيضاً تعبت... ولكنني كلما أستيقظ في الصباح أتذكرك وابتسم. وأقول “الله بيهونها” كما كنت أنت دائما تقولين. وأستمع إلى فيروز  لأغنية إيه في أمل. لأن صوتها يترجم ما كنت تقولينه وإن بتصرف. وأظن أن هذا ما كنت تقصدينه بـ ”االله يهونها“. ولكن هل يوجد فعلا أمل؟

يبدو أن وجودنا ما عاد يعطيك أي نكهة أو أمل فغادرت لأن الحياة صارت بلا طعم، كما كنت ترددين في السنة الأخيرة قبل مغادرتك. لأن الناس تذبل ثم تموت عندما تتوقف عن تذوق الحياة. قلت إنك لا تريدين أن تثقلي على أحد بعد موتك، ولذلك اشتريت قماش الكفن وكل الأمور الأخرى. حتى مصاريف الجنازة وضعتها بصرّة داخل القماش. لكنك عدت وتبرعت به لا أدري لأي جهة، بعد أن انهمرت دموع أمي كمزراب ماء عندما اكتشفت الأمر. وبعدما أكدت لك إحدى الجارات أن ذلك حرام.

 ردة فعلك الأولى على أقوال الجارة كانت ضحكات مزغردة. قلت ” أنا ما بستنى مفاعيص يقرروا لإلي شو الحرام وشو الحلال. الواحد فيهم ما بيجي قد فخدة إجري وصار بدو يشور ويقول...“ وعلى ذكر المفاعيص أتذكرين تلك الظهيرة عندما كنت تجلسين مع أم ياسمين في ساحة بيتك الصغيرة ، وجاء مشايخ الدعوة يحدثونك عن الدين؟ وقال أحدهم وبلاهته ارتسمت ابتسامة على شفتيه ”يا حاجّة  عليك أن تلبسي الحجاب. إنت ذهبت إلى بيت الله للحج ولك في ذلك أجر عظيم ولكن عليك بالحجاب والجلباب، عليك بما يليق بسنك وإسلامك وليس غطاء الرأس هذا الذي يكشف أكثر مما يستر. هل تريدي أن تكوني كنساء النصارى واليهود؟“ هززت رأسك وتركته ينهي كلامه وأم ياسمين بجانبك محمرة الوجه. وهمّت بالمغادرة لكنك مسكتها من يدها وضغطت عليها وشددتها إلى أسفل كي تبقى جالسة بجانبك. وما أن أنهى هو الحديث حتى طلبت منها خلع فردة حذاءها وقمت لتضربيه بها. 

- كندرة أم ياسمين بتسوى عشرة زيك. تفي عليك قليل الأصل والفهم، ما بدي شوفك ولا شوف واحد فيكو يهوّد على هالحارة. واالله وحياة الكعبة إلي زرتها لأنتف لحيتك هاي إن شفتك مرة تانية بالحارة. برا برا إنت وإياه. هسا أم ياسمين كافرة لأنها مسيحية؟ يا عكروت معقول هالحكي... هو ربنا عملكم وكالة باسمه عشان تعملو طابوه بالجنة… عكاريت بدون تربايه… تنابل والله تنابل ...

 وانفجرتما ضحكاً أنت وهي. ولم يجرؤ المفاعيص على الاقتراب من البيت من يومها. قلت أنك رأيت دمعاً في عينيها. عندما حدثتني عما حدث قلت ” قلت سيدنا عيسى وستنى مريم واين مولودين.. اخص على اصلهن والله أنا هذا الدي الي هاي المفاعيص طالعين في ما تعلمته من أهلي، يعني هدول صارو يعرفو ربنا أكثر منا؟... هاي العالم ما بتعرف الله، ، بتعرف حتى بينا وبين اليهود ما كان مشاكل زي اليوم المشاكل بلست مع الصهاينة، هيك أبوي قلي... أبوي يعني سيدها لأمك، كان سريك بمحل موبيليا مع زيكو واحد يهودي، كانوا لتنين صحاب. بس الصهاينة لما أجو طلعو أغلب الناس وطردوهم ودبحوهم وأخذو كل إشي... خربوها وقعدو على تلها يا تاتا...“

 أشعر بالتعب. كنت دائما أشعر بالتعب لا أدري لماذا! هل هذا ما شعرت أنت به كلما تراكمت السنين. سألتك مرة وأنا صغير عّما إذا كنت تخافين من الجنود والشرطة أو من اليهود عامة وخاصة الأشكناز منهم. قلت ”ما في حد بخوف يا تاتا... ولما تشعر إنك خفت من حد، تخيله عريان وشوف كيف أغلب الناس جسمهن بقرف يا حبيبي... وكتير شكلهم بضحك لما بكونو عريانين وعم يركضو...تخيلهن عريانين وعم يركضو“. 

لا أدري لماذا لم ترق لي هذه الفكرة، على الرغم من أنها مضحكة بعض الشيء. ربما لأنني تعريت مرة غصباً عني. أتذكرين المرة الأولى التي خرجت فيها في زيارة سياحية إلى فرنسا. في المطار حققوا معي كثيراً ولم يكتفوا بالتفتيش العادي بل أخذوني إلى غرفة خاصة وعروني كلياً  إلا من سروالي. اختلطت أنفاسي بأنفاس المفتش الذي أخذ يجوب بجهاز يصدر أصوات حول جلدي. كانت تلك هي المرة الأولى التي أفكر فيها أن جلدي أيضاً لباس، وإلا لماذا يمرر جهازه حول جسدي العاري. بدأت أتصبب عرقاً وأنت تعرفين كم أكره العرق. لم أعد أشتم رائحة عطري ولا جسدي  كنت أتعرق كماسورة ماء أنفجرت!

 بياض، بياض كالثلج هو الذي شعرت به عندما كنت في تلك الغرفة وراء الستارة عارياً، ليس كبياض الثلج عندما يكون بتولاً، بل بياض الثلج الذي إختلط برمل مبتل. صقيع شديد هو الذي يخرج من أجساد المفتشين، وأنا أتعرق! في تلك اللحظة لا يجمعنا أي شيء بشري غير الغرائز الحيوانية، تفصلها قفازات ناعمة. قفازات تتحسس جسدي، كأنني لا شيء. كأنني خروف يقدموه فدية...

حاولت أن أرى مدينتنا، مدينتك ومدينتي يافا، كما ترينها أنت. كأن أمشي وأتحدث إلى البيوت والأشجار كأنني أعرفها منذ عقود سبقت عمري. كأنها جيرانك القدامى. أقوم بتحيتها. وأنظّف الطريق إن رأيت ورقة تائهة في شوراعها فهذه مدينتنا، هذا بيتنا قلتِ لي مراراً. وكنت دائماً تلمين الورق من الشارع  إن رأيته. أتذكرين حينما رميت الورقة التي كنت ألفّ بها قطعة الحلوى التي اشتريتها على الطريق؟ أتذكرين كيف غضبت مني عندما صممت أنا الطفل في حينه، أن هذا جيد لأننا في حي اليهود؟ قلت لك إن شوارعهم نظيفة وشوارعنا وسخة فلماذا لا نوسخ شوارعهم... قلت إنني إذا كنت أحب يافا فعليَّ أن أحبها وأحافظ عليها حتى لو كانت بيد غيرنا. قلت إن أحيائهم جزء من مدينتنا حتى وإن لم نسكنها... لم أفهم ما الذي قصدته؟ لم أفهمك إلا لاحقاً...

 المدن قصص وأنا لا أذكر من القصص، إلا الذي عشته أو فُتاتاً من قصصك وما عشته أنت ولكنه مبتور. وأذكرجيداً قصصهم التي تعلمتها بالمدرسة وسمعتها بالتلفزيون وقرأتها وكتبتها في الإمتحانات، لكي أنجح فيها. كان علي أن أروي قصصهم، كي أنجح في الجامعات والمدارس. لذلك أذكرها كما أذكر رقم هويتي. أحفظه عن ظهر قلب، وفي كل لحظة يمكن أن أردده. حفظت قصصهم، أحلامهم البيضاء عن المكان كي أنجح في الامتحانات! لكني حفرت في داخلي قصصي، وقصصك وقصص الآخرين الذين يشبهوننا.  نرث الذاكرة كما نرث لون العيون ولون البشرة. نرث صوت الضحكات كما نرث صوت البكاء... آه من ذاكرتك التي ورثتها وتوجعني.

يقولون إن ضحكتي تشبه ضحكتك لكنها لا تشبه ضحكة أمي. هل كانت ضحكة أمي كضحكة أبيها؟ مسكينة أمي لا تعرف شيئاً عن أبيها غير أنه غادر. حتى عندما  استجمعت قواها بعدما فتحوا الحدود مع مصر وذهبت إلى القاهرة كي تراه حيث ترك بيروت وإنتقل إلى أم الدنيا، عرفت أنه توفي قبل وصولها بأسبوع! هناك التقت بإخواة وأخوات لا إخوّة بينها وبينهم. قالت إن بعضهم له عيون تشبه عينيها ولكنهم يتحدثون اللهجة المصرية كثيراً. كأنها كأنت مستاءة لأنهم لا يتحدثون لهجتها اليافاوية، على الرغم من أن أمهم يافاوية أيضاً. لعلها غارت منهم لأنهم تربوا في كنف أبٍ وأمّ، على عكسها هي التي تربت بلا أب. ولم تتحدث كثيراً عن تلك الزيارة. عادت حزينة، مطأطأة الرأس، لأن الموت غادر مع أبيها قبل أن تصل إلى القاهرة لتراه، هو الذي هُجِّر من يافا، ولم تكن إمّي قد ولدت. عندما سألتها مرة عن تاريخ ميلادها، قالت إنها لا تحب أن تتذكر هذا التاريخ لأنه في عام النكبة.

 من ذاكرتك أستعيد بعض القصص، التي سمعتها أو قرأتها وأخرى اخترعتها، عندما تعبت. يبدو لي أن أجمل القصص هي تلك التي نخترعها. هي أكثرها روعة ورعباً. ما نعيشه مبتور، حتى ما عشته أنا مبتور في الذاكرة. كأن ذاكرتي بيت من زجاج امتلأ بصدوع كالتجاعيد، لكنه ظل واقفاً ولم يسقط. يمكن أن نرى من خلفه ، إلا أن شيئاً ما في هذه الرؤية مشوش. والتشويش لا يعني عدم الوضوح ولا يعني التساوي في الرؤية فهذه خزعبلات الذين يكتبون الكتب البيضاء وعلينا أن نقرأها. التشويش أحياناً لأن الألم يكون أكبر من أن نستطيع أن نتحمل الذاكرة. نغلقها في صندوق أسود داخل رأسنا وقلوبنا لكنها توجعنا وتلتهمنا من الداخل ونصدأ يوماً بعد يوم. نعم  نصدأ. اتساءل أحيانا لماذا أشعر بهذا الكم من الحزن. من أين يأتي؟ وسرعان ما أدرك الجواب. ذاكرتك توجعني وذاكرتي تثقلني.كم أشعر بوحدة في يافا.

اليوم إلتقيت بأريئيل ولكن لم نسهر كثيراً. قبل منتصف الليل قلت إن عليّ المغادرة لأنني سأسافر غداً إلى القدس للعمل. لم يكن هذا صحيحاً. لا أدري لماذا أردت مغادرة الجلسة؟ ربما شعرت بالملل ... أو بعدم الرغبة بأن نستعيد ذكرى تلك المرة التي تعارفنا فيها أنا وهو. ليس لأنها ذكرى سيئة بل دون سبب يذكر. لا أدري لماذا وجدتني أستمع إلى نفسي وأنا أتحدث العبرية وكأن الصوت الذي يخرج من حنجرتي ليس لي. لكنه يخرج ويتحدث العبرية نيابة عني وأنا هناك في داخلي أنظر إليه لا أدري ماذا أفعل به وماذا أفعل بي. لم أعد أطيق هذا الصوت. شعرتني غريباً عن نفسي. ليست هذه أول مرة يداهمني فيها هذا الشعور. لكنه كان صارخاً واحتلني بوضوح هذه المرة. لم أعد أتحمل، وصبري ينفذ معهم... كم من مرة قلت هذا؟.. وقلت وتحدثت بهدؤ وصرخت لكنهم لا يرون غير أنفسهم، يسمعون ولا ينصتون. هل يختلف أريئيل فعلاً عنهم؟

 أسمع ضوضاء بالخارج وأنت تحضرينني هذه الليلة كثيراً. تاتا، تاتا إنت هون؟ ناديتك  لكنك لم تجيبي. لعل المشكلة عندي ولا أستطيع أن أراك، ربما علي إمعان النظر. عدت وأغلقت باب الشرفة خلفي. خرجت إليها كي أناديك. كنت تقولين إن أجمل ما في بيوت المدن، هي الشُرفات. ها أنا أستمع لأم كلثوم تغني ”لسّة فاكر“ واحدة من أغانيك المفضلة. أشعر ببرد شديد وكأننا في وسط ديسمبر. برد أبيض أبيض كالثلج، برد أبيض كثلج  بتول... سيتسخ بعد قليل... بياض كهذه المدينة البيضاء...

 يا ليتك معي، فالشوق إليك كوردة من شوك.

 

[فصل من رواية ”سِفْر الاختفاء“ للروائية الفلسطينية ابتسام عازم. صدرت الرواية عن دار ”الجمل“ بيروت/ بغداد عام  2014.]

Read more from the November 2017 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.