Skip to content
Words Without Borders is an inaugural Whiting Literary Magazine Prize winner!
from the May 2015 issue

ضربة قاضية

عندما شاهد أديب وفود الرياضيين تلوّح بأيديها للجماهير المصّفقة في إستاد موسكو تحسّر، "كان عليّ أن أكون هناك". لقد وعد نفسه بالميدالية الذهبية، وكلهم توقعوها له. لم يكمل مشاهدة حفل الافتتاح مشفقًا على التلفاز، خرج إلى زواريب حارة العبيد المظلمة واختفى في عتمتها، مشى..

عندما كان في الثالثة عشرة من عمره كان يعتقد أنه لاعب كرة قدم، فقد حاز على لقب هدّاف دوري شبيبة كل المدينة، ببلدها العتيقة وأحياءها الجديدة، لكن صديق أخيه مفيد، رحمه الله، قال له في اليوم نفسه، بعد أن حوّل أديب كف يده إلى كيس رمل أحمر، "أنت ملاكم ولست لاعب كرة قدم. تدرّب، سيبقى أبوك عاملاً.. وهذه ضربة، أخوك الأكبر اختفى، والأصغر منه هاجر، ومفيد الملاكم مات فجأةً بسمّ غامض.. هاجر عنّا نهائيًا، والموت ضربة قاضية. تدّرب، أنت ملاكم ولست لاعب كرة قدم، فَيَدي تؤلمني وعيناك فهد أسود".

قاعة صغيرة بجانب الفنار. كيسان جلديان ورمل، حبلتان، إجاصة ومدّرب، والسور ساحة الركض. "كلنا ، تقريبًا، نملك ضربة يد قوية لكننا لا نملك اللياقة ذاتها.. أركض، الأكياس ناس فلا تستخف بها.. اضرب بكل ذكاءك، من أقوى منك قل لي؟ " كرّر المدرب، "بعد أسبوعين سنستضيف ملاكمي الشمال ولن أقبل بغير الضربات القاضية.. أركض.. اضرب بكل ذكاءك فالملاكمة ليست طوشة".

لم يكن المدرب يقصد أن يلتزم أديب بموضوع الضربات القاضية بهذه الشراسة ولم يتوقع أن حدسه سيصيب بهذه الدّقة، بين ملاكمي الشمال بطل الدولة للشبيبة للوزن الخفيف يلبس سروالا لامعًا، ضربة قاضية في الجولة الثانية وأديب بطل الدولة للشبيبة في الوزن الخفيف في لعبته الأولى.

جلس بين الجمهور رئيس لجنة الملاكمة متمعّنًا وطلب من المدّرب أن يحضر أديب إلى معهد "وينغيت" ليتدرب في المنتخب، لم يعرف أديب ماذا تعني كلمة منتخب لكنه عرف أن عليه أن يركب سيارة الأجرة ويقول له "وينغيت".

 

تل أبيب 1973

أشّروا عليه، "ها هو"، وخاف أن يقتلوه. تدّرب ثلاثة أسابيع في المعهد، "جهّز نفسك لبطولة الدولة بعد أسبوعين"، قال له رئيس لجنة الملاكمة، "أنا جاهز "، أجابه ولكم كيس الرمل لكمة واحدة.

استلقى أديب على الفرشة في قاعة التدريب بعد أن أنهى اللعبتين من الجولة الأولى متأملاً حركات ملاكم بزيٍ مهيب أحاطه مدربون وملاكمون آخرون وأحاط نفسه بثقة بلدوزر، "ماذا تفعّل؟ تدرّب، جهّز

 

نفسك للعبة، ستواجه هذا البطل بعد ربع ساعة، إنه بطل الدولة للكبار في وزنك، ماذا جرى لك؟" خرجت كلمات المدّرب عصبيّة من بين أسنانه، "أنا جاهز، لست متعبًا، لا تقلق، سأهزمه".

كانت كاميرات التلفاز وومضات آلات التصوير تنتظر المباراة، نظر أديب إلى حركات رجليه، إنه مزيّف. لم ينتظر الجمهور جرس الإعلان عن البداية ليشجّع البطل، "عربي قذر"، صرخوا متحمسين بلهجة المهاجرين المغاربة، بعبرية عربية. انتهت الجولة الثانية بعد أن أعطى الحكم فرصةً للبطل الذي حُشِر في زاوية الحلبة ووقع عندها وبحث في عينيه عن دليل وعي. عرف أديب أن الجولة الثالثة حاسمة، "لن يدعوني أفوز في النقاط"، وبينما دفعه المدرب من كتفه إلى الحلبة قال ببساطة: "إنهِ اللعبة الآن"، وأديب مطيع. الجولة الثالثة، حاصره في الزاوية، ضربة قاضية ودم يسيل من أنف وشفة البطل الذي لا يقهر، وأديب هو بطل الدولة.   

كانت المباراة يوم سبت. تصدّرت صور الملاكم الأسود ابن الثالثة عشرة الصفحات الأولى لكل صحف يوم الأحد ولم يكن في بيت عائلة البطل هاتف ليرن كثيرًا، بل شباكٌ مفتوح لتبريكات أهل حارة العبيد والحارات الأخرى، ولم ترتح الصينية يومها من غلايات القهوة وكاسات العصير البارد، وأمه لم تتعب من ترديد العبارة، "عقبال أولادكو يصيروا أبطال.. يا رب يا حبيبي"، وأمه لم تكن بحاجة إلى البطولة أصلاً ليصير بيتها ملتقى نساء البلد.

عندما دخل أديب يوم الاثنين ساحة مدرسة "التيراسنطة" لم يفهم ماذا يجري، كل طلاب المدرسة حرّكوا قبضاتهم في الهواء وصرخوا "أديب.. أديب " بما فيهم طلاب الثواني عشر العمالقة، وضحك الخوري له، نعم ضحك الخوري له وهذه بالفعل أسطورة.

لم تكن المباريات التي لعبها البطل خلال السنين الأربعة التالية، حتى بطولة العالم في باريس 77، سوى عروضًا فنية للجماهير، فحضوره تسويق للمباريات التي تجرى في اليوم ذاته، سبقه أسمه إلى قلوب الناس وحناجرهم. كان خلال تلك السنين يركض حول ساحة السور الشرقي الذي بناه العكيون أيام حكم أحمد باشا الجزّار في أواخر القرن الثامن عشر، سورٌ بنيٌ متين حصّن المدينة من البحر والغزاة،  وينزل عنه ليجوب الملعب المرسوم في إحدى زوايا الخندق عشر مرات متتالية، وكان أديب يمتحن لياقته إذا أنهى ركضه أسرع من اليوم السابق، فكلنا، تقريبًا، نملك ضربة يد قوية لكننا لا نملك اللياقة ذاتها.. أركض.

 

باريس 1977

لم ينتظر صديقا أخيه الأوسط المهاجران إلى باريس، ولا المهاجرون المغاربة جرس الإعلان عن بدأ المباراة ليصرخوا "أديب.. أديب"، "لديّ جمهور في باريس"، ورفع قبضته ليشعل لهيب حناجرهم. لم يخفِ أديب وجهه بقبضتيه ليحميه بل جهّزهما للانقضاض على خصمه ودافع عن رأسه برأسه وكتفيه، بتحريكهما، نظر إلى خصمه وفهمه. ضرباته سريعة والسرعة شرط، ضرب وتراجع وضرب خصمه المتين وقصير القامة كنابليون، صرخات الجمهور تعلو، يسمع جيدًا أصوات العكيين.. يميّز لكنتهم من بين الآلاف، الخصم في الزاوية وضربة قاضية، أديب النسناس بطل العالم، نعم نعم  بطل العالم.

في باريس تعلّم لفظ كلمات شارع، جادة، نهر، فندق وسماع كلمات يمين، يسار، الى الامام، فالفرنسيون لطيفون ومهذبّون لكنهم لا يحبون الحديث بغير لغتهم أو أنهم مثله لا يعرفون من الانجليزية الا القليل.

 

نيويورك 1978

أما في نيويورك فقد تعلم الملاكمة على حقيقتها. خلال التحضيرات للمباريات لعب أديب مع أحد لاعبي المنتخب، وجّه مدرب المنتخب اللاعب الآخر، وكلاهما كباقي اللاعبين مهاجرون روس، وأعطاه التعليمات غاضبًا، اهجم من اليمين، احمِ وجهك، ليس هكذا. لا لا. إصطف الملاكمون الافروأمريكيون حول الحلبة فاغرين أفواههم من المشهد مستعدين للانقضاض على المدرّب غير الخجول بتمييزه، "تعال أخي "، قال أحدهم لأديب بعد التدريب، "تعال معي"، أخذه إلى غرفة تدريب المنتخب الامريكي، "اسمعني، إنشط أكثر، تحرّك عند المواجهة فالحركة إضعاف لضربات الخصم، لن توقعك الضربة إذا تحرّكت، ثبّت نفسك عند الضربة القوية واقصف، اضرب الكيس واهرب من يساره، نعم هكذا".

عندما وقف لاعبو المنتخب وراء العلم الأبيض والأزرق والنجمة ولاعبو المنتخب الأمريكي وراء العلم الأبيض والأزرق والأحمر والنجوم، ارتجف الأوائل خوفًا، ما عدا أديب، "من أقوى منك قل لي؟ هل قطعت بحارًا وجزرًا وعوالم لتهزم هنا؟!..الملايين في الولايات المتحدّة وفي بلدي سيشاهدونني، لن أهزم". عاد لاعبو المنتخب، واحدٌ تلو الآخر، متكأين على مدربهم المحرج بعد أن تكّبّدوا ضربات قاضية، "دورك الآن".

أول ضربة للاعب الافروأمريكي طالت كتف أديب وأكّدت له أن هذا الخصم قوي فوق العادة، وأن الأساليب الاعتيادية والتكتيكات المعروفة لن تأتي له بالفوز، فأخذ يرقص. حضرت صورة محمد علي كلاي وانتشلته من ورطته، أرقص، إنشط، دوّخ خصمك وانقض عليه. ضرب ورقص كالذبابة، في نهاية الجولة الثالثة ثبتّ رجليه على الخشبة وصوّب لكمته إلى حنك خصمه وطرحه أرضًا، وقفت الشخصيات الجالسة حول طاولات أنيقة والجماهير التي تملأ مدرجّات ضخمة مصفقًة لضربته، تأكد الحكم من وعي الخصم ورغبته في الاستمرار، لم يعطه أديب الفرصة في أن يترك الزاوية التي وقع فيها، ضربة أولى على أنفه، ضربة ثانية على خده الأيمن، والضربة القاضية بقبضته اليسرى على خصره.

 

دوسلدورف 1979

في خلال تحضير منتخب الملاكمة لأولمبيادة موسكو 1980 في مدينة دوسلدورف الالمانية الغربية وبعد كل مباراة تدريبية تأكّد مدرب المنتخب الألماني المتنور ولاعبيه  أن "النسناس يملك الفرصة ليعود الى بلاده بالميدالية الذهبية للياقته ولمهاراته ولتصميمه، ونجاحه كلاعب أسود عربي مسلم يؤكّد عمى ألوان النظام الليبرالي الذي يعطي فرصًا متساوية على الفرد أن يستغلها وأن يثابر من أجل إثبات كفاءاته، إنه نموذج إيجابي للمهاجرين والأقليات في العالم"، لم تمضِ إلا ساعاتٌ قليلة من ترجمة المترجم المرافق للمنتخب لخطاب المدرّب الأماني حتى ترجم لكل الفريق خبرًا آخرًا، دول العالم الحر تقاطع أولمبيادة موسكو لأن الجيش السوفييتي قد احتل أفغانستان.

 

عكا 1980

اختفى، بعد الاحتفال الافتتاح المؤلم، في زقاقات حارة العبيد ومشى في شرايين المدينة المحّصنة وعندما حطّ عند السور وقف عليه، البحر سجادة سوداء والأفق لا يستجيب لنداء الفنار ولا لصرخته. لم يقفز عن السور لكن عنده قرر، "لن ألاكم بعد اليوم".

Read more from the May 2015 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.