Skip to content
Words Without Borders is one of the inaugural Whiting Literary Magazine Prize winners!
from the September 2014 issue

شيكاغو جنة الحاضر وسحر المستقبل

 

فرضتْ شيكاغو حبَّها عليّ، كما تفعل أيُّ حسناء. فهي غادة لعوبٌ متقلّبة متحرّرة ساحرة. فمن طقسٍ مثلجٍ ودرجة برودة عشرين تحت الصفر، إلى حرارةٍ تتجاوز مئة درجة؛ ومن رياح عاصفة تقتلع الأشجار، إلى نسيمٍ عليلٍ يبهج الروح. مدينة النقائض والبحيرة الخلابة وناطحات السحاب والغابات التي لا تنتهي، والأثرياء الذين يجلسون على كنوز هائلة من الذهب، والمتشردين المدقعين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.

المدن كالنساء؛ وكما في كلّ امرأة نكهةٌ مثيرةٌ تختلف عن الأخرى، كذلك المدن: هناك مدن تَفتح لك ذراعيها ما إنْ تدخلها، كصبيةٍ عاشقةٍ لا تتركك حتى تسعدك وتنالَ منك ما تريد؛ وهناك مدن منغلقة تصفعك وتردّك محسوراً مقهورًا.

أعيش قرب البحيرة على بلمنت وكلارك. في بضع دقائق أصل إلى أجمل بقعتين في شيكاغو: شاطئ البحيرة، ومركز المدينة. لن أترك الأحد يفلت مني. ففي مثل هذا اليوم تَكشف شيكاغو عريَها: راقصة ستريبتز تمتِّع أهلَها بمفاتن جسدها؛ مهرجانات مستمرة، مسيرات، أسواق خاصة وعامة، مسابقات جمال، حيوانات، معارض طيران، أطعمة. إنها فاتنة شابة عاشقةٌ تتدفق حيوية، من طراز لحوح لا تترك عاشقَها يرتاح ساعة واحدة.

أُسْرِع حينما يصفو الجوّ للخروج قبل أن ينقلب! ذلك أنّ شيكاغو تغيِّر جوَّها كما تبدِّل الراقصةُ ملابسَها في وصلات رقصها. عندما يضيق صدري، أترك الشقة، أتمشّى في هذا الشارع قليلاً، فينقلب الضيقُ إلى بهجة.

أمامي مراهقةٌ في شارع كلارك تقتلع عينيَّ بحداثة زيّها وتنافرِه: جاكتة من الجلد الأسود مليئة بميداليّات فضية وأزرار، وشراريب، وتنّورة قصيرة جدّاً، وجوربان أبيضان طويلان، فوقهما جوربان آخران أحمران إلى ما تحت الركبة، وقميص أحمر ياقتُه بنفسجيةٌ صارخة. أما الشعر فعدة ألوان: تبدأ بالأسود، فالبنفسجي، فالأحمر الناري، فالأزرق، فالبرتقالي الفاقع. وكلُّ تلك الألوان تجلِّل وجهاً فائقَ الجمال، وبشرةً بيضاءَ ناصعة، وعينين أبنوسيتين كبيرتين. أما صديقها فيرتدي زيّ روّاد الفضاء في "ستار ترك،" لكنه يصفّف شعرَه بطريقة الخوذة الرومانية المشهورة. كان يمسك كفَّها حبّاً وخوفاً من أن تصبح كائناً فضائيّاً فتنفلت من بين يديه وتتلاشى في السماء.

عندما أتمشى في كلارك، يبرز أمامي شارعُ الرشيد في بغداد دائماً. الشارعان متميّزان. هنا وهناك تجد أزياءَ الدنيا كلّها. لكنّ ما لن تجده في الرشيد هو تنوّع المطاعم، إذ قد لا يوجد شارعٌ في العالم في تنوّع مطاعمه ككلارك وكثرتها. إنه ساحر لطيف بهيج. يُخرج عفاريتَه لتتسلّل بخفّة جنّيّ إلى بطون جميع الخلائق، تدفعهم إلى ملء مطاعمه الأنيقة. فبالإضافة إلى الأكلات الأمريكية الشهيرة، كالستيك والهمبركر والنقانق، هناك البيتزا الإيطالية، إلى جانب السوشي الياباني، الدجاج المحمّر على الطريقة الهندية، البرياني الباكستاني، الكباب العربي والإيراني، الكسكس المغربي، المقليات الأفريقة، البط الصيني إلى ما لا يستطيع حصرَه المرءُ في يوم أو أسبوع.

أسرق من وقتي بعضَ الساعات أقضيها في كليّة ترومان كلَّ شهر. تعرّفتُ إلى بعض المدرِّسين الرائعين الطيّبين. لم أسأل أيَّ أميركي عن تاريخ الكليّة، ولماذا قُرنتْ باسم ترومان. نويتُ ألفَ مرة ولم أفعل. أنسى دائماً. أهو مَنْ فكّر في إنشائها؟ أساهَمَ بشيءٍ مما يملك؟ ما تقدّمه الكليّةُ من خدمات إلى الوافدين عظيمُ الشأن.

اقترن اسمُ ترومان بقرحةٍ في قلوب العالم كله. فالقنبلتان اللعينتان اللتان ألقاهما على هيروشيما وناكازاكي وصمتا تاريخ القرن العشرين بالعار. لكني أحبّ كليّةَ ترومان، وأحبّ بعضَ مدرّسيها، وأعتبرهم إخوةً. ومن يحبّ يتجاوز عن أشياء كثيرة. ومع ذلك فإنّ عقلي يرفض التجاوز. 

دخلتُ ستاربكس. تجذبني رائحةُ القهوة الطّرية. عندنا نحن العرب، ضعفٌ أمام المرأة والقهوة! أنحن وحدنا في ذلك؟ أفْضَلُ مَن يُعدّ القهوةَ في العالم هم البدو، والقرويون حول الموصل. يُعدّونها بعملية معقّدة طويلة، ليصبح طعمُها رائعاً بالرغم من مرارته. أسلافهم، لا غيرهم، هم من أطلق اسم القهوة عليها، قبل ذلك كان اسماً للخمر. والعرب يحبون الخمر فسرقوا الاسم، ثم شاع في العالم كله. أذكر أنني قبل أكثر من ثلاثين سنة تعرّفتُ إلى مهندس سويسري توقّف في البصرة، سأل عن الطريق إلى بغداد. دعوتُه إلى قهوة تركية في مقهى البدر المطلّ على شطّ العرب. كان الوقت عصراً، وكان النهر العريض يتهادى ببطء، ومئاتُ السفن الصغيرة الخشبية "اللنجات" راسية قرب المقهى محمّلةً بالتمر، قبل أن تعود إلى الهند والباكستان وسيرلانكا وبنكلادش وأندنوسيا وماليزيا وسنغافورة بآلاف الأطنان. قال المهندس إنّ المنظر هنا على حافة النهر جميل جداً، لكنّ طعم القهوة أجمل وألذ ولم يذق مثلها طيلة حياته.

أجملُ ما في شيكاغو حدائقها. أبكّر صيفاً إلى حديقة مطلّة على البحيرة في مناسبة عروض الطيران. اخترتُ مرةً مقعداً يطلّ على المياه الشاسعة، حيث تلتهم أعماقُ السماء بصخبها طائراتٍ حربيةً تفوق سرعتُها سرعةَ الصوت، تأتي من جميع البلدان الصناعية لتعرض فنونها. أنظر إليها وقلبي يخفق كي لا يصطدم بعضُها ببعض فيموت طيار بريء. إنه أجمل أيام السنة. في ذلك اليوم يستحيل أن تجد مقعداً في أية وسيلة نقل متوجّهة إلى شيكاغو إلاّ إذا حجزتَ قبل شهرٍ في الأقل. لكني بعد الغزوُ (الأميركي للعراق) لم أعد أستطيع الذهابَ إلى تلك الحديقة. كنتُ أسمع أصواتَ الطائرات من شقّتي القريبة وأعيش رعبَ أطفالنا حين تقصفهم مثلُ هذه الطائرات. ثم لعنتُ نفسي: كيف استمتعتُ بمنظر هذه الأشياء الرهيبة من قبل!

في الخريف تصبح شيكاغو أجمل مدينة في العالم، معرض ألوان خيالي. لم أكن أصدق أنني أرى شجرة تلتهب أوراقها باللون الأحمر الناريّ، البنفسجي، البرتقالي. الأخضرَ الزاهيٍ، الأصفرَ الفاقعٍ، الخ.

أمام البحيرة الكبيرة تندلع معركتان جميلتان أزليتان: الأولى في السماء، بين مياه النافورة العالية جداً والغيوم، والثانية على الأرض. فجأة تندفع أعدادٌ لا حصر لها من السناجب الرمادية الرائعة: تتقافز، تلهو، تندفع لتلتهم ما يُلقيه المتسكّعُ من فتات خبز قبل أن تحطّ عليه أسرابُ الحمام الجميل. أسجن نفسي بضع دقائق أرقب المعركة. حيوانات بريئة لا تبغي سوى ديمومة الحياة.

مركز المدينة وحده يُغرقني. يطغى اتساعه على وقتي ووجودي. أشعر بالمتعة في كلّ خطوة في شوارعه. تذهلني نظافتُه، كأنّ شوارعَه ممرّاتُ قصرٍ ملكي يحرص العاملون فيه على تنظيفه كلَّ لحظة. أتوجد في كلّ العالم بقعةٌ أنظف من شوارعه؟

دفعةٌ من الخلف. كدتُ أقع. عفواً. ضحكةٌ أنثوية. التفت إلى اليمين. شابة مسرعة أطول مني كثيراً، نحيفة، جميلة، واسعة العينين. ابتسمتِ الشابة. ابتسمتُ. تجاوزتني بخطواتها السريعة. هنا كلهم يسرعون، كيف يتمتعون بالجمال مع هذه السرعة؟ لا أدري؟

التفتُت إلى اليمين حيث غابةُ من ناطحات السماء ملتمّةٌ بعضُها على بعض في فوضى عارمة ساحرة ولكن متناغمة. هناك في قلب العمارات الشاهقة، وبين شوارعها النظيفة، تفاجأ بنُصُب وتماثيل غايةٍ في الإبداع. هذا ببيكاسو. مَن جاء بكَ إلى هنا؟ أضخمُ نصبٍ له أمام مبنى البلدية. لونُ النصب بنيّ قاتم جميل جدّاً اضطرّ المعماريُّ إلى أن يحيطَه ببناياتٍ يقترب لونُها منه ليخلقَ إيقاعاً شعريّاً هامساً بينها يسري إلى قلب الناظر فيحسّ بنشوة فنية عارمة تدقّه في مكانه كمسمار لا يتحرّك. كيف تأتّى لهذا الفنان الشيوعي الكاره للرأسماليّة أن يزيّن شيكاغو بمثل هذا النصب الرائع؟ بدا وكأنّ عبقريته ابتدعت النصبَ خصيصاً لهذه المدينة، رافضاً أن يتسلّم أيّ فلس. أأراد برفضه الصّك الذي أرسلتْه إليه بلديةُ شيكاغو أن يصفعَ الرأسماليين ليُفهمهم أنْ ليس بالفلوس وحدها يحيا الإنسان؟ أم أراد أن يخلّد في أمريكا لا فنَّه فحسب بل أيضًا كرمَه وسموَّ أخلاقه اللذين يفتقدهما الكثير من أثرياءُ أميركا والعالم؟

مركز شيكاغو مليء بتحفٍ فنيةٍ مهداةٍ من فنّانين عاشوا وماتوا في أوطان بعيدة عن أمريكا. في داخل مركز راندولف (center) هناك نصبٌ رائع، وفي خارجه نصب ثانٍ ضخم آخر بالأبيض والأسود لكنه بائس. حاولتُ عبثاً أن أعرف من أبدعهما. رأيتُ لوحتين برونزيتين فيهما قائمةٌ بأسماء بلدية شيكاغو، لكني لم أجد اسمَ الفنان. ترى لماذا فضّلوا أن يكتبوا أسماءَ بضعة عشر شخصًا لا علاقة لهم بالإبداع، وأهملوا اسمَ الفنان؟

من مئات النصب التي تستفزّ النظرَ بوجودها في شيكاغو نصبُ الهنديين الأحمرين على جوادين متقابلين (الكونكرس مع ميشيكن) أبدع الفنان في إبراز ملامح الهنود الحمر، قوتهم، سموّهم إلى المعالي. لم أستطع العثور على اسم المبدع أيضاً. كان مكان هذين التمثالين موفَّقاً أيضاً: فمن هناك تمرّ مئاتُ آلاف السيارات يوميّاً. وجود التمثالين هناك يَفرض على المُشاهد سؤالاً ملحّاً: لماذا أبيدَ هذا الشعبُ المضيافُ النبيلُ القويّ المسالم الطيّب؟ وهل إقامةُ مثل هذه التماثيل نوعٌ من الاعتذار والندم على إبادةٍ لم يكن لها ما يبرّرها إطلاقاً؟

في شيكاغو نصب كثيرة هائلة رائعة تستوقف النظر، وتدفع متسكّعاً مثلي إلى الاقتراب منها، إنها تمثل نعمة الفن على البشر لكنها مقرونة بلعنة الحضارة: ازدحام السيارات شديد، التوقف ممنوع. ماذا يفعل عجوز مثلي ليرى الفن عن قرب؟ عليه أن يضيع يوماً كاملاً لينظر إلى نصب أو تمثال؛ أن يأتي في حافلة، أو يستقل أحدَ خطوط المترو، وأن يسير على قدميه في الأقل ساعة. لذلك تجد كثيرين من سكّان شيكاغو لم يروا هذه التماثيل إلا مصادفةً، ولا يعلمون عنها شيئأً.

كنتُ أسأل نفسي باستمرار: أتوجد قيمةٌ للفن إنْ عزل عن الشعب؟ إن ظلّ بعيداً عن الجمهور؟ في روما وباريس وبون وبرلين وصوفيا و بغداد تجد التماثيلَ قريبةً إلى الناس، في مراكز المدن، تستطيع أن ترى غيرَ واحدٍ في نصف ساعة، تستطيع أن تقرأ شيئاً عن المبدع، عن الظروف التي رافقت الإبداع. وفي إحدى ساحات مدريد يجلس سرفانتس في قمة عالية كإلهٍ ينظر إلى مخلوقاته الرائعة: دون كيخوتي وحصانه الهزيل، سانشا بانزا وحماره، الأميرة بزيها الرائع، صاحب الخان الخ.

اخترع العراقيون القدماء منذ أكثر من عشرة آلاف سنة مقولة "إنّ كلّ شيء خُلق من الماء." وعندما كُتبت التوراةُ أخذت المقولة كما هي، ثم تردّدتْ في المسيحية والإسلام. يحبّ العراقيون نهر دجلة إلى درجة العبادة، رغم فيضانه المدمر، خصصوا بضع كيلومترات من شاطئه ليحتلها أحد أجمل الشوارع في العالم بحدائقه ومطاعمه وباراته ومتنزهاته وملاهيه. هناك تصافح الماءَ، تأكل من الماء، تتمتع بالماء. في كلّ مطعم حوضُ ماءٍ فيه عشراتُ الأسماك الحية. تختار منها ما تريد، تتمتّع بالسمكة تُشوى أمامك بطريقة فريدة. "المسقوف" ورثها العراقيون عن أجداد عاشوا قبل أكثر من عشرة آلاف سنة. تُشّك السمكةُ بعصا تُغرز أمام نيران يتصاعد لهيبُها، وبعد بضعة دقائق تقدَّم إليك وجبةً شهية.

دفعني هذا إلى استعلم عن أنهار أي مدينة أراها، فرحت عندما علمت أن في شيكاغو نهرين كبيرين تراهما في عَلم الولاية، لكنّك لا تستطيع أن ترى أيّاً منهما على الأرض؛ فقد احتكرتهما الصناعة: باتا أرستقراطيين، خاصّين. أسوأ ما صنعه المعماريون في شيكاغو أنهم قتلوا هذين النهرين. قد تعيش بضعَ سنوات في ضواحي شيكاغو فلا تدري أن هناك نهراً على بعد بضعة أمتار منك! الغابات وناطحات السحاب الكثيفة تحجبه. لكني لحسن الحظ رأيتُ شريطاً سينمائياً عن نهر شيكاغو. ليس كدجلة، بل متواضع، ضيق، اغتالته البنايات، يصرخ طالباً النجدة، لكنّ 911 لا يستطيع أن ينجده: فمَنْ قتله قويٌّ يُخشى بأسُه.

من ارتكب تلك الجريمة؟

إنها أرصفةُ شحنٍ هائلةٌ تزوِّد السفنَ النهرية ببضائع وموادّ أولية تُنـقل إلى أميركا والبلدان الأخرى. التهمتْ تلك الأرصفةُ معظمَ شواطئ النهر لكنها تركت قسماً ضئيلاً منه لبضع فنادقَ هائلة.

هذا يعني أنّ ساكن شيكاغو العاديّ لن يستطيع أن يراه قطّ، عكسُ ما هو موجود في بلدي تماماً. فالنهر عندنا كائنٌ شعبيّ، بسيط، متواضع، لكلّ الناس، بالرغم من أنه سيدُ المدينة من غير منازع. تراه عندما تَعبر أحدَ الجسور المتعددة، تراه على بعد خطوات عندما تجلس في مقهى مبنيّ عل ضفته، تراه في مئات المطاعم على الجانبين، تراه عندما تتمتّع باحتساء الجعة في بار أو عندما ترشف العصير أو القهوة.

لا أملُّ من التحديق في ناطحات السحاب. قبل أن أجيء إلى شيكاغو، كنتُ أقول لنفسي: ماذا في ناطحات السحاب من جمال؟ اسمنت، حديد، زجاج، كلها تصدّ النظر. ثم اكتشفتُ خطأ تصوّراتي. لقد جعلتْ مهارةُ المعماري وعبقريتُه من تلك البنايات حيواتٍ بهيجةً غايةً في التناسق والجمال. ومن بعيد، وحينما انظر إلى تلك البنايات المتفاوتة في ارتفاعها وزينتها وجمالها الفريد، يسحرني الموقفُ مرةً أخرى، فأقضي وقتاً لا أستطيع حصرَه.

على البحيرة حديقة أقضي وقتاً غير محدود أراقب الأطفالَ يعيشون عصرَهم الذهبي قبل أن يكبروا ويطحنَهم الصراعُ على مكاسب الحياة. الأطفال آلهة؛ وكما تدّعي الآلهة أنها خلقتنا، وأنّ بمقدورها خلقَ الجديد دومَا، فكذلك الطفل يستطيع أن يخلق لعبه وسعادته في كلّ وقت ومكان. أطفال يركضون وراء بعضهم، ينزلقون على صفائح صقيلة، يتأرجحون، يتعلّقون على قضبان متفاوتة الارتفاع، يضجّون. هنا يلعب الأطفالُ بحدائق مجهّزة بأحدث المرافق وأمتعها. لكني رأيتُ مناطقَ فقيرةً في بلدان أخرى، يلعب أطفالهُا بالحجارة، بأغصانٍ مكسورة، بعظامِ الحيوانات؛ لم يسعدهم الحظُّ بمثل تلك المتع الرائعة.

مرّة كان علي أن أرجع إلى شقتي بعد ساعة لموعد مهم، فقررت أن أقضي في الحديقة نصف ساعة فقط. جلست على مسطبة أراقب طفلتين تلعبان. ثم اخترق مجالهما طفل أصغر منهما، يلاحق خنفسةً ويهمّ بإمساكها لكنه يتردد فيترك لها فرصة للهروب، وأمّه الشابة تنظر إليه وتبتسم. بينما جلست قربي عجوز مع كلب صغير جدّاً، بألوان تتفاوت بين الأصفر والرمادي والبني والأبيض، عيناه واسعتان جاحظتان، له شاربان أبيضان طويلان، ينظر بعمق إلى كلّ من يقترب منه. أسنانه بيضاء متراصّة، سلسلتُه جميلة بلون الذهب، لم يترجّل من دفء صدر العجوز، كانت تحتضنه كابن لها. لستُ أدري كيف اكتشفت الكلب طفلةٌ في عمر السنة، تقدّمتْ نحوه وهي تتأرجّح في مشيتها، ووالدتهُا الشابة تنحني وراءها، وتمدّ ذراعيها كي لا تسقط. الطفلة تغرّد بسعادة كالبلبل، محيّيةً الكلبَ، والكلبُ ينظر إليها نظرات ودودة، والعجوز ترحب بالطفلة وتشارك أمها الشابة الضحك. حين اقتربت الطفلة من الكلب مدّت يدها الصغيرة، لكنّ أمها أبعدتها عنه: "لا، لا تمسيه." والعجوز تردّد: "دعيها، لن يؤذيها، دعيها." اقتربت أصابع الطفلة من شعر الكلب فأصدر همهمةً ناعمةً أقربَ إلى الغناء، ثم نظر إلى أمّ الطفلة. عندئذ سمحت الأم للطفلة بأن تمسّد ظهرَه وهي تقهقه، فجأة تذكرت موعدي. اكتشفت أنني أضعت أكثر من ساعة.

سأفتقد شيكاغو، ثلجها الذي يجعل كل شيء أبيض، ناصع. تتنازل الموجودات في شيكاغو أشكالها وألوانها وخصوصيتاها، وتسلّم قدرها للثلج يشكلّها، ويلوّنها باستهتار هائل، تصبح الأشجار العارية من الثلج، ليس هي بل أسلاك الكهرباء، المداخن، أسطح البنايات، الشوارع، السيارات، ثم تلك الأشياء الصغيرة التافهة التي لا تجلب النظر: المكانس المسندة إلى الحيطان، عربات الأطفال قرب الأبواب، فردة نعال مهملة لطفلة على السياج، مظلات الأبواب، الكرسي، الشوارع.

مرة رأيت دراجة هوائية، أصبحت هي والمشبك الحديدي، والقفل، والمقعد، والقضبان، والدواسات، وجرس الإنذار وو قطع ثلج.

سأفتقد السناجب الجميلة ، يوما ما راقبت سنجاباً يخرج من مكمنه الصغير في أعلى عمود الكهرباء، يتبختر بهدؤء على طول السلك الكهربائي الطويل، ثم ينزل إلى الأرض، يصعد إلى السياج الذي يفصل بنايتنا عن الأخرى، يقطع الفناء يمتد أكثر من عشرة أمتار بخفة البرق، يتسلق الجدار الثاني، يختفي برهة تطول وتقصر، لا أدري أين يذهب، ثم يرجع، يتسلق عمود كهرباء آخر، يبعد عن العمود الأول الذي نزل منه أكثر من عشرين متراً، ليعود إلى مخبأه من ناحية ثانية، قاطعاً ما يزيد على مئتي متر، في جولة تستغرق بين نصف ساعة أو أكثر، يعود وفي فمه شيء ما، وعندما دققت النظر فيما بعد لحظت صنوبرة، لست أدري من أين حصل عليها، لأني لم أر أي شجرة صنوبر في حدود نظري من مكاني العالي، ربما يعرف واحدة في مكان ما.

في مساء يوم خريفي كنت على شارع البحيرة، والتفت إلى اليمين فرأيت ساحل البحيرة  كله أبيض ناصعاً. تساءلت مع نفسي أسقط الثلج وأنا غافل عنه! ربما، توقفت في مدخل حديقة قريبة. مشيت. وبعد خمس دقائق رأيت شيئاً مذهلاً، لا يمكن وصفه، ملايين النوارس واقفة واحداً يلاصق الآخر. ليبدو المنظر عن بعد قطعة بيضاء تشع بالبياض كالثلج. آنذاك أدركت ان النوارس مثلنا تقضي الليل في مكان معين تتخذه غرفة نوم خاصة.

سأفتقد مدينة الحياة والتماثيل والنصب والحدائق والخريف المذهل والسناجب الرمادية وأندية الرقص وبارات ومقاهي ومطاعم شارع كلارك ومركز المدينة الرائع والمتاحف العديدة، لكن قبل كل ذلك سأفتقد أصدقائي الرائعين الذين التقيتهم في هذه المدينة الكريمة، والذين ساعدوني، بطيبة متناهية، وبددوا شعوري بالوحدة: ألن سالتر وعائلته، جاكي الرائعة وسمير العزيز، ماري شميت، مايك زاباتا، ديفس جين، كاب، سوزن، ميغ وكثير غيرهم.

 

Read more from the September 2014 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.