Skip to content
Join us at the Ronda Leiria Poetry Festival, March 12–21! Featuring Ricardo Aleixo, Ondjaki, and 200 other writers and artists. Learn more.
from the December 2020 issue

شارع النار

شارع النار، من أطول الشوارع التي خطها إنسان تلك المدينة. طويل ومعرج، يبدأ من المشرق وينتهي

في الغرب، كأنه نابع من الشمس وصاب فيها. على ضفتيه منازل من الطين.. أبوابها صغيرة ونوافذها

صغيرة و فضاءاتها ضيقة، لذا يقضي السكان معظم أوقاتهم في الشارع، رغم أنه لزج و رطب من مياه

الصرف الصحي التي تدلق فيه. المنازل تنتشر طولاً.. حوالي نصف الكيلو على جانبي الشارع.. يحدها من

جهة الشمال سور من أشجار البان، يحمي المدينة المضيئة ذات العمارات الشاهقة والشوارع المسفلتة

والحدائق الغناء من الأتربة.. ثم فضاء واسع.. أوسع من مساحة بيوت الشارع عرضاً. في ذاك الفضاء أنوار

كاشفة.. لا يمكن أن يقطع المسافة فأر دون أن يُرى.

من الجنوب يحد المنازل خور عميق عبارة عن قنال آتية من النهر الكبير تمتد إلى ما لا يعرفه

السكان. ربما حفرت لتزرع تلك المساحة، لكنّ أحدهم غير رأيه فتركها يابسة يقضي فيها سكان الشارع

حاجتهم ويرمون فيها النفايات وتمتلئ في موسم الأمطار مياهاً وقاذورات، تشرب منها الأغنام ويتعلم فيها

الصبيان السباحة. ترى بعد ذاك المجرى مساحة واسعة.. عبارة عن حفر يأخذ منها أصحاب اللواري التراب

يبيعونه لبناء المنازل، وتتحول الحفر في الخريف لمستنقعات يجد فيها البعوض مأوى آمناً. في تلك المساحة

ايضا توجد أشجار كثيفة من المسكيت متناثرة تلجأ إليها الكلاب الضالة والقطط، ويأخذ إليها المنحرفون

الصبيةَ.. وفي الليل تصير أستاراً يشرب وراءها بعضهم الخمر ويقتسم فيها السارقون الغنائم ويتشاجر تحتها

المجرمون ويقتلون بعضهم ويدفنون قتلاهم في حفر ليست عميقة وكثيراً ما جاء رجال الشرطة لينبشوا الجثث

فتزكم الرائحة أنوف السكان

 محرم على النساء أن تطأ أقدامهن أرض المستنقعات ليلاً أو نهاراً.. إذا تخطت واحدة الخور حتى

ولو بغرض رمي النفايات.. يعرف الشارع كله الخبر وتحاك القصص والأحاديث. سبب قاهر يمنع النساء من

تخطي الخور الذي بنيت عليه عدة كباري من الأوساخ والطوب والتراب وبقايا الحيوانات الميتة. السبب هو

أن الشياطين تأتي في هيئة رجال يلبسون ثياباً نظيفة وأشكالهم وسيمة، يغرِّرون بالنساء ويفعلون معهن

الفواحش.. وفي ذاكرة الجميع الشىء العجيب الذى ولدته فتحية بنت الخياط و خلّصهم منه الحسين في اللا

مكان. رغم تحريم الرجال على النساء قطع الخور، لم يمتنع الشياطين من المجيء إلى أرض المستنقعات،

بل صاروا يأتون بنسائهم معهم ليتكاثروا في تلك المنطقة القذرة.. يعتقد السكان أن الشياطين تحب الأماكن

القذرة والنجاسة. في كل يوم حينما يقطع الرجال الخور لأي سبب، ويذهبون إلى المستنقعات، يجدون أشياء

تخص النساء -نساء الجنّ طبعاًــــ قرطاً أو سواراً أو قطعة ملابس أو فردة حذاء... ويتحصنون ويمشون في

حذر خوفاً من أن يطأوا طفلاً من الجن فيصيبهم الشلل!.في شارع النار البيوت متلاصقة.. الجيران يسمعون

ما يهمس به الجيران.. ويتبادلون التحايا والسباب والأطعمة وجرادل الماء من فوق الحيطان. الحمامات ملكية

مشاعة.. يأتي صاحب المنزل للحمام فيجد أحد الجيران ولا حرج أو استياء. مواسير المياه ملكية مشاعة،

ودواء طفل يتقاسمه كل الأطفال.. ودواء مريض يستعمله كل من تشبه أعراض مرضه تلك الأعراض!

تظلل الشارع أشجار النيم الوريفة.. يستعملها الأطفال ملاعب، ويستعملها الرجال أندية.. ويستعملها

الحلاقون صوالين حلاقة.. واستحوذ صانعو العناقريب والبنابر على بعضها، وهذه دائماً فيها نساء يتشاجرن

مع النجارين، لأنهم يخبئون النشارة الجيدة للنساء الجميلات أو اللائي لهم معهن مآرب أخرى.

 بعض أشجار النيم استغلها الخياطون، لكن ترزية النساء لهم دكاكين خاصة محمية من عيون

المتطفلين بجوالات الفحم. بعض هذه الأشجار تحوّل إلى أسواق لبيع السجائر والسعوط، ومصانع لرتق

الأحذية المهترئة. بعضها استغله أصحاب المعرفة، ضاربي الرمل وقارئي الكف والحظ وبائعي عروق المحبة

وعروق الأمراض المستعصية وعروق جلب الرزق. بعضها معارض لعرض الفخار المزخرف بكل الألوان.

يأتي البشر من مسافات بعيدة لشارع النار ليشتروا أشياء لا يمكن وجودها إلا فيه.

 في المساء تخرج النساء بائعات الأطعمة على امتداد الشارع يتحلق حولهن الرجال.. على ضوء

مصابيح الكيروسين ليأكلوا.. ويموج البشر.. المنازل مزدحمة، والهواء خانق، لذا يخرجون كلهم للشارع..

وللناظر من علٍ يظهر له ذاك النهر الخرافي كأنه سفينة أسطورية تحمل بشراً يحملون مشاعل لا تضيء.

 مع بداية الثلث الأخير من الليل، يستيقظ الشارع كله.. أول ما يفعله صاحب المنزل هو إزاحة

الشعبة التي تسند الباب الخارجي فيتداعى من نفسه، يخرج كل الرجال والصبية فوق السابعة وأحياناً دونها..

يحيّون بعضهم وهم يلتقون في قلب الشارع.. يرفعون جلاليبهم بيدٍ خوف الوحل وباليد الأخرى المسبحة. كلهم

يتجهون صوب المسجد الذي بناه فاعل خير لم يلتقوه أبداً.. يتحسسون طريقهم في الظلمة.. على ضوء

(البطاريات) وهم يعرفون بعضهم من مجرد الصوت أو من مواقع البيوت.. كلهم يهمهم بالدعاء.. مسرعين

قبل فوات الأوان.. نهاية الثلث الثاني من الليل هو وقت نزول الرب من السماء السابعة، طائفاً على الدنيا

منادياً عباده: «هل من مستجير لأجيره؟ هل من مظلوم لأرد حقه؟ هل من داع فأجيب دعوته؟» بعدها يصعد

الله إلى السماء السابعة حيث البون شاسع، وأصواتهم لا ترتفع إلى ذاك العلو الشاهق، لذلك هم يهرعون..

علّ الله يسمع دعاءهم ويستجيب. في ذاك الأوان، وقت طواف الرب على الدنيا، تكون النساء قد أوقدن

صيجان العواسة) أو يجهزن الطبيخ أو يحلبن الشياه، وزمنهن لا يسمح بالوقوف ليسمعن نداء الرب.)

يتسابقن نحو الأسواق.. بائعات الشاي يتحركن كالرياح.. لحظاتٍ ويخرج المصلَّون ليشربوا الشاي عندهّن..

فبعضهم ليس لديهم حليب، وبعضهم الآخر زوجاتهم مشغولات بتجهيز بضاعتهن للأسواق، وبعضهم لا

يحب أن يتصبّح بوجه زوجته المرهق وشعرها الأشعث وجلبابها المتسخ الممزق، ولا حتى مجرد سماع

صوتها الساخط الضجر.. عكس بائعة الشاي التي تحرص على اكتمال مظهرها وتحيي كُلاًّ منهم بابتسامة

'خاصة.. صباحية مشرقة. يشرب الرجال الشاي بالحليب، والشاي بالقرفة، والشاي بالقرنفل، والشاي بالنعناع

والشاي مع اللقيمات، والشاي غير الشاي.. يفكون به الريق، دواء لأمراض يعرفونها وحدهم.. مع حديث

رقيق ومتفهم.. غير شاي الزوجة الذي إن كان كاملاً يكون ناقصاً كل النكهات.

Read more from the December 2020 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.