Skip to content
Join us at the Ronda Leiria Poetry Festival, March 12–21! Featuring Ricardo Aleixo, Ondjaki, and 200 other writers and artists. Learn more.
from the December 2020 issue

في المقهى

خبط مشجعٌ مهتاج على الطاولة بقوةٍ أطاحت بأكوابِ الشَّاي وانكسر أحدُها، هبَّ واقفًا وهو يصرخ بغضبٍ في وجه محدثه. دفع الكرسي البلاستيكي بقدمه إلى الوراء فانقلب الكرسي على الأرض فاتحًا قوائمه نحو السماء. نظرتُ إلى الكوبِ الملقى على الأرض وقد غاب عني الصوت الغاضب لحظةً: ح يحاسبني على الكُبايّة دي؟ حذرنا المعلم مِيَّة مرَّة من كِسِّير الكَبابي، أيّ كُباية تتكسر بغرَّمنا تَمْنها. طبعا ح يقول أنا السَّبب؛ عشان ما شلتها طوالي لما فضتْ! في اللحظة التي شردتُ بذهني فيها كانت هناك روح إنسان تفارقه. يا الله! هكذا.. هكذا فقط! لحظة ويموتُ إنسان!

لقد قطع وريده بشظية الزجاج من الكوبِ المكسور! في لمحة انحنى والتقط شظية الزجاج وجرح بها عنق محدثه، بل قطع وريده!

رعبتُ ونظرتُ إلى إبراهومه، وجدته مرعوبًا مثلي، كانت المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا يموت أمامي، نافورة من الدم تنبثق من عنقه. يتطاير رذاذ الدم على ملابس الزبائن وعلى القاتل الذي تجمّدت نظرة عينيه. تجمَّع الناس وتصايحوا: خذوه إلى المستشفى. أسعفوه. أحمله معي. أحضروا عربة إسعاف. ما الذي فعلته يا رجل؟! أين الإسعاف؟ ليتَّصل أحدكم بالإسعاف. هيه يا رجل، تماسك.. تماسك، اصمت فهو لا يسمعك. هل مات؟ لا.. لا.. لم يمت. بل مات، مات يا غبي، انظر، انظر إلى عينيه لقد خبا بريقهما. يا إلهي!

تزاحم الناس، جمهورٌ غفير تجمَّع في لحظات، كلهم في لهفة لرؤية الضحية، كلٌّ منهم يريد اختبار معرفته بها. وكلٌّ منهم ادَّعى أنه كان يعلم أن هذا الرجل سيَقتل أحدَهم ذات يوم، طبعه حامي، بل لاهب كجمر الموقد، ومتعصب لفريقه وكان فريقه ذاك اليوم مهزوماً!

أخرجنا المعلم سالم من دهشتنا ومحاولة استيعابنا ما حصل، أمرنا بجمع الأكواب سريعًا وإدخال الطاولات والكراسي:

ـ ح يتحول الغضب لقهوتي.. أسرعوا.. أسرعوا.

بدأنا في جمع الأكواب والصَّواني بسرعةٍ كبيرة. هذا الرجل لا يهمه سوى ماله، وكأن جريمة قتل لم تحدث أمامه قبل دقائق فقط! كنا نمرُّ من خلال الجمع الواقف مثل شعر المرعوب بخِفَّةٍ وارتباك، فنخطف الأكواب ونصطدم ببعضنا. نرفع الكراسي الملقاة على الأرض ونُدخلها، قد يرفع اثنان الكرسي ذاته ويحملانه معًا. نُدْخِل ما بأيدينا داخل المقهى، ثم نعود ركضًا لحمل الطاولات، حملها كان صعبًا؛ قصار القامة يقفون على الطاولات حتى لا يفوتهم شيء، كنا نعاني في حمل الطاولات ولم تكن ثمة مساحة خالية تسمح لنا بحملها أو رفعها على أكتافنا، كان المكان يختنق ومهمتنا أصبحت شبه مستحيلة. 

وحتى بعد أن غادرتْ عربة الإسعاف وهي تحمل القتيل في جوفها، وإلى ما بعد حضور الشرطة واقتيادها الجاني، ثم رسم الحادث، كان الجمعُ غفيرًا، تعاونا كُلُّنا ـ نحن عمال المقهى ـ والمعلم يصرخ فينا ويُصدِر أوامر متلاحقة في عصبية موتِّرة ما أحدث لنا ربكة في الحركة والفعل. بعد جهدٍ جهيد أنقذنا الكثير من الطاولات وعَجِزنا عن الباقي.

جلس بعض الحضور على الطاولات وبدأوا في إعادة سرد القصة وتكرارها لكل من يسأل من الناس الذين استمروا في التوافد، وكل من يسمع القصة يحكيها لآخر. الكل يتكلم، لا تعرف من يستمع لمن! هذا يحكي، ذاك يحلِّل، وآخر يعلِّق، ذلك يسرد حكاية مماثلة سمع بها أو كان شاهدًا عليها. تشعَّب حديثهم ونسوا القاتل والقتيل وبدأوا يتحدثون عن العنف، كيف فقد النّاس الحوار مع بعضهم بعضًا! كيف ضاقت أخلاق الناس وصدورهم وما عادوا يقبلون أي نقد أو تعليق!

تحمّس أحد الحضور بجسدٍ نحيل وشعر كثيف، يضع أربعة أقلام بأربعة ألوان في جيب قميصه الأبيض المهترئ، قفز على الطاولة الحديدية الصَّدئة وخطب في الجمع ملقيًا اللّوم على الحكومة من منبره:

ـ يا جماعة الحصل دا كله بسبب الحكومة.. أيوه، الحكومة دي ما خلّت للناس جنبة يرقدوا عليها، كرَّهتهم في عيشتهم وشغلهم وخلّت الواحد مننا دايماً زهجان وصَّارِّي وشّه، لحدي ما وِشوشونا إتكرفست وبقت زي الصِّرم القديمة. يا أخوانا لو الحكومة دي كانت حكومة عادلة ما كنا وصلنا للحالة البطَّالة دي، نقتِّل في بعضنا ونسرق من بعضنا، الحكومة هي الزرعت العنف في نفوسنا و.......

خطر لي أن هذا الرجل مسطول.

سأله أحد المتجمهرين عن دخل الحكومة في هذا؟ أجابه بعصبية واستنكار كيف لا دخل للحكومة بهذا! لو كان هذا القاتل مرتاحًا وشبعًا ومزاجه رائق ومسالم لما ارتكب هذه الجريمة. رد عليه أحدهم، إن القاتل ارتكب هذه الجريمة لأنه إنسان عصبي وأخلاقه ضيقة ولا يتحمل الهزيمة. ثم تدخل آخر ورأى أن الحكومة ليست هي السبب وإنما هم اللاعبون الذين يلعب الواحد منهم مثل السكران لا هو قادر على الجري ولا التحكم في الكرة ولا التسديد بثبات.

قال الأول بلهجةٍ منتصرة:

ـ شفتوا ما قلت ليكم، كلّو من الحكومة يعني لو الحكومة اهتمت بالرياضة كانوا اللِّعيبة ديل بقوا زي لعيبة البرازيل لو غلبوك تطلع فرحان لأنك استمتعت بالمباراة والنتيجة ما مهمة.

صعد بقربه آخر على الطاولة أيضًا وخاطبه قائلًا:

ـ يا زول إنت زهجان من الحكومة ساي! أنا بشوف إنو المدربين هم السبب لأنَّهم ما شايفين شُغلهم همهُم كلّه المرتب آخر الشهر.

ـ لا، السبب ما المدربين، السبب الحكومة، الحكومة يا بني آدمين. عينكم في الفيل وتطعَنوا في ضُلُّه؟! إنتو شعب جبان بقيتوا زي الفيران تجروا تدّسوا في جحوركم وخالّين الحكومة تبرطع في البلد كأنه مِلك أبوها.

ـ الجبان والفار منو؟ يا زول صَلِّح كلامك.

ـ جُبنا وفيران.. كلكم جُبنا.. كلكم خوافين.. شعب جبان.. جبان.. جباااا..

ناوله لكمةً على صدغه أوقفتْ الكلمة في حلقه ودار عراك عنيف، وأين؟ على الطاولة، التي انكسرت قائمتها ووقع الاثنان على الأرض.

امتدت الأيدي متزاحمة لفك الاشتباك وتداخلت الأصوات:

ـ يا أخوانا روِّقوا المنقة.

ـ اختلاف وجهات النظر ما بخرب الودّ.. صلّوا على النَّبي.

ـ عليه الصّلاة والسّلام.

كّنا نتابع هذه الأحداث بفضولٍ وحماسة، متحفزين لالتقاط كل ما يقع: محفظة نقود أو علبة سجاير أو كيس سعوط أو أي شيء مما يُحمل في الجيوب ونستفيد منه. وقفتُ بالقرب من إبراهومه مستندَين على حاجتنا، بعيدًا عن مدخل المقهى نتابع ونتربص لما يجود به هذا الجنون من عطايا. سيكون اليوم حافلًا.

Read more from the December 2020 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.