Skip to content
Join us at the Ronda Leiria Poetry Festival, March 12–21! Featuring Ricardo Aleixo, Ondjaki, and 200 other writers and artists. Learn more.
from the December 2020 issue

حرية الطيران

.الطريق يأكل العمر و الأقدام تشتهي الحرية

 رائحة الغياب، تخالط الدمار في كل شيئ حولي. فتحت نافذة حجرتها. الحائط متهالك تماماً. ساعة

الحائط أمامي مازالت تعمل. زجاج واجهتها متكسر إلى ثلاثة أجزاء. السقف لا أثر له. الفوضى تعم

أرجاء المكان. هشيم لوحاتها البديعة، في فوضى تبعثرت ألوانها، على الكرسي اليتيم بجوار

خزانتها. تماثيلها الصغيرة، التي كانت تصنعها، كلما زارت جدتها في القرية، تحولت إلى فتات،

يكسو كل شيء حوله.

.آثار حريق هائل، على الباب الخشبي المرتمي وسط الحجرة. لا أثر لبقية ما كان يوماً منزلاً

لا يوجد في تلك الحديقة، أصوات سمار و غناء على إيقاع العود والطبل والمزمار، كما ألف سكان

.البيت وزوارهم

علي أن أمسح على وجهها، في الصورة الملقاة على أحد أركان الحجرة. جديلتها التي أعشق

إبتسامتها التي تجعل قلبي الصغير، واحة تترنم بحبها. عيناها العسلية، لطالما سقتني السعادة

والشقاء. هذه أول زيارة لي لمنزلها بعد ثلاثة أشهر من هجوم بربري، على قريتها القابعة أعلى

سهل، بجوار هضبة صغيرة أقطنها وأسرتي. لا أحد يعلم من الغازي، وما هدفه، ولا أحد يعلم لم

صفيت أجساد أناس عزل، نساء أطفال وشيوخ وشباب في مقتبل العمر.  من يستلذ هذه  البلبة و

الهمجية؟ أيعقل أن تسجل هكذا كوارث، ضد مجهول؟

ما لي بعالم هؤلاء المجانين! عالم البشر، إحترت في أمره، وووالداي وجدي لطالما أخبروني عنهم

العجائب. حروب ودمار صلح وهدنة، فحروب فدمار وهكذا. نقتات على ما يأتي به الطريق إلينا،

مثل صغار الظباء والغزلان، وغير ذلك لا يغرينا بصيده. فنحن قوم لا نترمم.علينا إقتناص الأفضل

.حيثما ولينا

صديقتي فتاة لطالما جذبني حسنها. لأمد راقبتها، دون أن تدري بأمري. تترك نافذة حجرتها هذه

على مصراعيها، منذ الصباح وحتى موعد نومها. كبرت أمامي أصبحت أم و يتيمة وأرمل ثم جدة،

.أمامي

مراقبتها من أشجار عالية أو من سياج منزلها، كانت متعتي بعد رحلات الصيد اليومية. قلبي

.يحدثني، أنها مازالت على قيد الحياة، على الرغم من إختفائها منذ أمد

صوت قطعان إبل قادم في الطريق. و في السماء أعداد لا بأس بها من الصقور،  على جانب وعلى

الجانب الآخر، بعض النسور، جوارح تتبع هذا القطيع المسالم.ليس لدي أي رغبة في الصيد

.اللحظة، إكتفيت بظبي قبل ساعة التهمته بتأني، ومضيت لبقية يومي

مشيت بخطى ممشوقة، بين العشب الذي يغطي حديقة المنزل. رأسي مرفوع إلى الأعلى أشهاد

السحب الماطرة، تتراكم غرباً. أسلي نفسي بذكراها. تتبعت مراحل عمرها، والتي هي أقل من

عمري بسنة واحدة. حين بلغت العشرين ترملت وقامت بعناية ابنتها إلى حين زواجها.  وفي

الثلاثين من عمرها، فقدت والديها، ورحلت إبنتها إلى المدينة. بقيت وحدها في المنزل، برفقة سيدة

تقوم بمعاونتها في أعمال المنزل، ولتؤنسها في وحدتها. رفضت الزواج وهي كلما كبرت تزداد

جمالاً، ووقاراً، وسحراً لا يقاوم، لا أعلم كنهه. حين بلغت أنا تلك المرحلة الفاصلة في وجودي

أوفنائي، كنت ذاك الهرم الذي علي مواجهة مصيره القاسي، والذي لن يحدده سواي.الإستسلام

للموت، أو مواجهة قسوة تجديد القوة في جسدي، والتمسك بالحياة. كان قراري لأجلها فاخترت

)الحياة)

خطاي تحملني مابين عشرين إلى ثلاثين كيلو متراً يومياً، في القرية وحولها، لعل وعسى ألتقي

محياها. فكرة أن أذهب إلى المدينة تبدو متهورة نوعاً، فذلك يعرض حياتي للخطر ومع ذلك فعلتها

خلال الشهر الماضي، لا شيء يدلني عليها سوى قلبي.

لا أدري كم من العمر تبقى لي، ولكن صادقت الطرقات حولي، علها تجمعني بها. هي لا تعرف

أنني أبحث عنها. وهي لا تعرف أني أراقبها، طوال سنوات عمرها. المهم أنها السبب في أن أبقى

.على قيد الحياة

حريتي أتنسمها تماماً براً وجواً. حريتي في جسدي وحركتي وفي تفكيري، أعبر عنها كما أشاء

وأحلق بها كما أشاء، ومع ذلك هنا داخل هذا النابض في صدري، سر ما يكبل حياتي حول إمرأة

أنسية، وأنا ذاك الجسور الذي تهابه الضواري وجميع الكائنات، لا حيلة لي أمامها، وأمام ذكراها

.على حد سواء

أنثى من البشر، أشعرتني بأني خلقت لأجلها فقط، وأعلم جيداً بأنها لن تلتفت لمن له سيقان ممشوطة

سوداء  ناعمة، وله كما عرف رمادي اللون، قد يبدو لعينيها الجميلة مضحك جداً. عدا ذلك يتمازج

اللون الأحمر المائل للبرتقالي حول عينيه، وريش ناعم رماديي يخالطه البياض يلف بقية جسده،

.إنني  فقط صقر ككل الصقور

ما يئست من إنتظارها. آتي كل يوم أخيط الطريق لبيتها، ولمداخل القرية. أحاول أن أستقرئ

.السحب، و تيارات الهواء العابرة. متى ستأتي ولا أجد الجواب

حسمت الأمر، قررت أن أسافر أبحث عنها في كل مكان. أعرض حياتي للخطر ولا أبالي. فما قيمة

.الحياة إن كانت في خطر، وأنا لست حولها، أمد لها يد العون ما أمكن

وظيفتي ضمن أعيان قبيلتي، تتطلب سويعات في آخر كل يوم من الاسبوع، أجتمع ورفقائي. نتناقش

فيما يفيد مجلسنا، وقبلها الجماعة الموكلين بأمرهم. رأيي كأحد كبار السن يستثيغه الخصوم و

.الأفراد حين الإحتكام، في أمور تتعلق بحياتهم

أنظر لمخالبي من حين لآخر، تبدو جديدة، أصبحت تنمو بشكل جيد، كما لو كنت في مقتبل العمر

يافعاً.  

صعدت فوق صخرة. الشمس حارقة. رائحة جيفة يلتهما نسور خلف الصخرة. أراقب أحد مداخل

القرية. عجاج رمادي يلف المكان، أثاره قطيع من الغنم، دخلت معاً وصوت رجل خلفها، وقرابة

.خمسة كلاب يحيطون بهم

نزلوا جميعاً تحت شجرة ضخمة الجزع وظليلة. في جوف الجزع ماء مخزون من موسم الخريف

.الأخير. كما اعتاد السكان، يلقون بدلو في وسط الجزع ومن ثم يسقون أنفسهم ومواشيهم

مرت ساعتين. شعرت بالإعياء من الحر. هممت بالعودة  حيث مخدعي. نعاس لفني. صوت صراخ

!أعادني إلى اليقظة. أطفال يصرخون: إنهم قد أتوا لقد أتوا ليقتلوننا

.نهب وسلب وقتل وحرق، فوضى وبلبلة في خلال ساعة من الزمان، أهرقت الكثير من الأرواح

.أفراد عزل، وأسلحة تطلق أصوات، وكتل نارية تخترق الأبدان، فتلقيها مضجرة بالدم

نظرت لمخالبي، تبدو أكثر رحمة. لا أغرزها في بدن إلا لأسد جوعي. قررت أن أغادر ذاك اليوم

.وفي نفس اللحظة التي غادر فيها الهمج، تلك القرية المكلومة

وقع بصري على من داهموا القرية، بوحشيتهم قبل قليل. إنصرفوا شرقاً. تابعتهم إلى أين سيحل

رحلهم. وصلت مع ركبهم خلال ساعتين ونصف الساعة. مدينة خضراء.  لا أعلم لماذا خلت أن

.هناك من سيلتقيهم، اما بالتهاني أو بالسخط،  لما بثوه من خراب ودمار في أرض العزل

خاب ظني. كل عاد منتشراً في دروب المدينة. يألون في كل حدب، وما لا أفقه أهو الشر أم عدم

!الاكتراث يجعلهم في المدينة، وكأنهم نعاج أكثر سلماً من الأرواح التي أبادوها ظهر اليوم

مع غروب  الشمس وصلت إلى ميدان منتصف المدينة. به من الإضاءة ما بدد حلكة الليل إلى كبد

.السماء

نظرت حولي عن يميني، حديقة أنيقة وفي  وسطها  صرح شاهق البنيان  . حلقت حوله. نوافذه

.موصدة. بركة حولها أشجار عالية، حولها عشب مشذب، بشكل يجعله كصفحة ماء خضراء

ما أعلمه أن حياتي في خطر حين أكون في مدينة الإنسان.علي أن ألتزم الحرص أين ومتى أسير أو

أحلق. أقتت على أرنب كان على جانب الشجرة من جهة البركة. اختطفته سريعاً وعدت أدراجي

.فوق الشجرة. آمل أن لا يكون قد لمحني بشر

زوجتي قد انتقلت إلى السماء منذ أعوام، وأبنائي كلٍ في عالمه. أنظر لمنقاري ومخالبي وللهواء

حولي فلا أجد إلا الخواء. هي من تملأ هذا الكون بروح الجمال. قد أبدو مثالياً أو واهماً، لا يهم ما

.يهم أنني سعيد بوجود رمزها، في كلي، فينتشي وجودي

عطر مميز جذبني نحو حلقة، تكوم فيها أناس يحتسون و ياكلون ما لذ وطاب. سمعتهم يتحدثون عن

.عيد ميلاد  احداهن.يا قلبي الصغير قد هرمت، وما زلت تراقص طيفها. إنها هنا هي المحتفى بها

إستمر الإحتفال إلى قرابة منتصف الليل. دخلت ذاك المبنى برفقة خمسة أشخاص إحداهن فتاة

أخالها ابنتها. مرت ساعة، فتحت نافذة، كانت هي، فاتنتي مستلقية على فراشها تتحدث مع شخص

.جالس أمامها، طفل في العاشرة من عمره. قبل جبينها وانصرف أوصدت النافذة

استكنت إلى أعلى شجرة باسقة. أغمضت عيني وما أفقت إلا في الصباح الباكر لأجد البشر في

.حالهم، يتحركون أفراداً وجماعات في كل صوب، وبعضهم جلوس  بين قهقات وأحاديث

خرجت من أظنها إبنتها، من المبنى ترتدي فستاناً وردياً تتباهى في مشيتها، ممسكة بيد رجل في

.سنها وذاك الطفل  ذو العشرة أعوام، ممسك بيدها الأخرى. تشابه أمها ولكن أمها أجمل

.فاتنتي فتحت النافذة،  نظرت عبرها. خللت شعرها بأصابعها، جلست أمام المرآة، تمشط شعرها

سدلت جديلة بهية على يسارها.  وقفت، نظرت عبر النافذة، مرة أخرى. هناك رجل كانت تتحدث

.إليه. سمعت ضحكته  ورأيت إبتسامتها. أقبل نحوها، قبلها محتضناً لها كدمية أثيرة، استكانت له

.إقترب جسديهما إلى النافذة، أغلقاها معاً

!صافرة قطار يقترب، أتت من بعيد تحمل لي سؤالاً: ما الذي أفعله هنا؟

 

 

Read more from the December 2020 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.