Skip to content
Forbes names WWB one of the ten best ways to spend your quarantine. Read about it here.
from the March 2020 issue

المولودة

المولودة

رواية نائلة كامل المولودة ماري إلي روزنتال

تأليف نادية كامل

ترجمة بريدي ريان والسيد طه

 

 

الشيوعيين الفرنساويين وهم ماشيين سلموني لخلية شيوعية مصرية والمسؤول عنها وعني كان واحد اسمه عبد الستار الطويلة، عضو في اللجنة المركزية للمنظمة، مش بالانتخاب ومش علشان يستحق، إنما بالتصعيد: يعني لما اتقبض على أعضاء اللجنة المركزية، صعدوا الصف التاني من أعضاء الحزب للقيادة وبقوا هم اللجنة المركزية، ولكن اتقبض على الصف التاني كمان فانتهى الأمر إن واحد زي عبد الستار وعدد من شباب الشيوعيين مسكوا القيادة. أعتقد إني قابلته في بيت واحد اسمه فؤاد بلبع في العباسية، عرفت بعد كدا إن عبد الستار كان مسؤول عن الجهاز الفني، يعني المطبعة، وحطِّني في «جهاز» توزيع المنشورات. كان فيه رغبة من القيادات اللي في السجن إن الجهاز الفني بالذات يستمر، والمنشورات ضروري ضروري بأي شكل لازم تستمر تطلع وتتوزع، علشان يدُّوا إحساس للبوليس وللحكومة إن عدد الشيوعيين كبير وفيه غير المقبوض عليهم أعداد ياما برَّه. بالطريقة دي أنا دخلت تنظيميًّا في خلية لتوزيع المنشورات، والنظام إن حد يديني منشورات ويديني طريقة اتصال مع ناس أنا مش فاكرة ولا أساميهم ولا الأماكن اللي باقابلهم فيها، أفتكر نفسي طشاش وانا باسلم منشورات.

كان المفترض إن انا مش باثير أي شكوك لأن شكلي أجنبية، بيضة شوية وشعري على الموضة: كانت طلعت تسريحة من ممثلة فرنسية اسمها «دومينيك بلانشار» عملت فرانشة يعني قُصَّة منزلة شوية شعر على القورة، عجبتني القُصَّة لإني كنت متعقدة إن قورتي مش واسعة كفاية، على أساس إن القورة الكبيرة تدل على الذكاء والقورة الصغيرة تدل على الغباء. دا غير إن قورتي دوغري مش مدورة. لقيت طريقة الفرانشة أو القُصَّة اللي تنزل لغاية الحواجب، ممكن تنفعني وتخبي قورتي. القورة الواسعة موضة انتشرت من تكوين الممثلات الأمريكانيات، عندهم قورة «bombée» مقورة واسعة وعريضة. في عز النشاط مع الطلاينة، محاضرات وثقافة وكفاح وشيوعية وتحرر وطني وكوليرا، كنت مهتمة باللبس ورحت خدت كورس تفصيل عند «بروفيلي» لمدة شهر، واتعلمت القصَّ وعمايل الباترون وابتديت أفصل لنفسي على الموضة. كنت باحاول ألبس شيك، باحب الهدوم، وأمي كانت بتشجعني طبعًا. الجماعة الشيوعيين هنا قالوا:

- دي حتكون كويسة قوي بعيدة عن كل الشبهات.

أشيل شنطة سوق كبيرة، أحط جواها المنشورات واسلمها لناس معينة في مكان معين. وانا باحكي ابتديت افتكر كان بيحصل ازاي، معظم الأعضاء كانوا لسه طلبة في الثانوية العامة وكانوا محتاجين لدروس لغات، أروح عندهم في البيت أدِّيهم دروس فرنساوي علشان الامتحانات. كان فيه طالب في العباسية كنت باروح أدِّي له درس، تحت اسم إن أنا مدرسة فرنساوي، أسيب عنده المنشورات وانزل بشنطة الخضار فاضية وآخد فلوس الدرس ياخدها مني عبد الستار الطويلة، أنا شغلي كان تطوع للعمل السياسي. كل دا أبويا وأمي ما يعرفوش حاجة، قلت لهم بشكل عام اني بادِّي دروس، ما دقَّقوش.

اتعرفت على أعضاء أول خلية، عايدة أخت إجلال السحيمي، عايدة كانت بتدِّي دروس إنجليزي علشان تعليمها إنجليزي، كانت ساكنة في الزمالك وبَرضُه المفروض إن شكلها البرجوازي ما يثيرش شكوك البوليس. والتالتة كانت اسمها عليَّة، افتكرتها دلوقت وانا باحكي وافتكرت اسمها كمان. عليَّة بنت محمود باشا كانت ساكنة في جاردن سيتي في بيت شيك وعندها مربية فرنسية بتربيها من أيام ما اتولدت. المربية الفرنسية سمتها «آلييت» علشان يبقى اسمها فرنساوي وكانت بتاخدها في الصيف تفسحها في فرنسا، على حساب أبو عليَّة، الباشا، وترجعها مصر بتتكلم فرنساوي مِية في المية، أظن إنها كانت بتدرس في مدرسة «الليسيه». عليَّة عزمتني على الغدا عندهم، تجربة ظريفة، الباشا محمود راجل كبير في السن يقعد على السفرة وأمها ست مصرية تخينة ما تعرفش تقرا عربي، تشبه شوية لمرات النحاس باشا، عندها سفرجي وطباخ، غير الدادة المربية اللي كانت بتقعد معانا على السفرة. عليَّة قالت لهم:

- عايزة اعزم واحدة صاحبتي تتغدى معانا.

فقعدوني على السفرة جنب «آلييت». الأكل بيطبخه الطباخ باستثناء اللحمة، بينما إحنا قاعدين على السفرة بناكل، تقوم المربية في نص الأكل تروح المطبخ تعمل الفيليه أو الأنتركوت «à la minute» - يعني في ساعتها - بإيديها والسفرجي والطباخ واقفين، اللحمة تيجي سخنة من على النار وناكلها في ساعتها والسفرجي يخدِّم علينا.

من الناحية التانية أنا كنت محتاجة لدروس عربي علشان خواجاية ما باتكلمش عربي إلا بسيط وعليَّة تعليم فرنسي نفس الشيء ما تعرفش عربي تقريبًا. عبد الستار الطويلة ييجي عند عليَّة على الساعة تلاتة بعد الغدا على أساس إنه مدرس العربي، لابس بدلة وطربوش. كان عنده خطوة واسعة وشوشة، زرِّ الطربوش يتهز وهو ماشي بطول البيت، والبيت كبير، لحد ما ندخل في الاستوديو يعني المكتب. إدانا فعلًا دروس عربي وكتاب عربي وشوية واجبات، ما دام احنا بنكافح مع الشيوعيين المصريين لازم العربي بتاعنا يكون كويس. أنا و«آلييت» اتصاحبنا أكتر من عايدة السحيمي لإن كنت باشوفها أكتر. «آلييت» حبِّتني لدرجة إني عزمتها على الغدا عندنا في بولاق. قلت لأبويا وأمي إن فيه واحدة صاحبتي عزمتني على الغدا عندها وعايزة اعزمها عندنا. ما اعرفش قلت لهم اتعرفت عليها ازاي، بس إنتِ عارفة إن أبويا وأمي بيحبوا الأكل ويحبوا يطبخوا ومكرونة أمي حلوة، وجت عليَّة اتغدَّت معانا والمرة اللي بعدها جابت دادتها، الست المربية الفرنسية، عايزة تطمن، وانبسطت من جو البيت عندنا. إحنا كنا ساعتها لسه ساكنين في شارع نعيم على فكرة، يعني حتة متواضعة جدًّا. أنا وعليَّة كنا بنعمل المغامرات دي كأننا بنتفسح، نقعد مع بعض نتغدى سوا وناخد وندي دروس ونروح السينما ونوزع منشورات. أقصد أقول إن ما كانش عندنا الإحساس بالخطورة. ما كناش خايفين خالص.

اسم عبد الستار الطويلة الحركي كان «فتحي» وهو من اللي بيسموهم «المحترفين الثوريين»، يعني يسيبوا شغلهم، ويسيبوا بيوتهم وما يتعرفش هم ساكنين فين والمنظمة تصرف عليهم من اشتراكات الأعضاء، مهنته «ثوري» متفرغ، ساب بيته وعايش في حتة مش معروفة يحرس المطبعة وينظمنا. دي بقى كانت مسؤوليته في اللجنة المركزية. الاتصال به كان عن طريق تلفون الشركة اللي باشتغل فيها «جون ديكنسون» لتصدير وتوزيع ورق الكراريس، شركة ورق إنجليزية كبيرة. بعد كام درس عربي، عبد الستار الطويلة بالطربوش، بطَّل ييجي، اختفى أيام وبعدين كلمني في تلفون الشركة وقال لي:

- أنا هربان، جم يقبضوا عليَّ وهربت، حنغير مكان المقابلة، المرة دي نتقابل في شارع قصر النيل، حنكمل شغلنا عادي.

أنا رديت:

- آه طبعًا.

عمارة كبيرة واخدة زاوية شارع قصر النيل وفيها محل كبير يمكن «صيدناوي» أو «داود عدس». عبد الستار أجَّر أوضه من أُوَض السفرجية والطباخين فوق السطوح.

رحت له، الواحد يطلع بالأسانسير لغاية آخر دور وبعدين ياخد سلم الخدامين للسطوح. أوضة عادية. كملنا دروس علشان ضروري أتعلم عربي، وادَّاني اسم حركي، وكتبت اسمي الجديد على كتاب العربي: «فضيلة»، واستمريت أدِّي دروس فرنساوي ولكن لطالب جديد، فين بقى؟ في القلعة، حتة شعبية، واحدة زيي شكلها خواجاية إلى حد كبير تعدي هناك، أكيد ملفتة للنظر ومثيرة للشبهات. كنت باخد الشارع اللي بيطلع على القلعة وبعدين شمال في شارع محمد علي اللي ساكنين فيه عائلات الناس اللي بيرقصوا في الأفراح، الشاب الجديد دا بيته في واحد من الشوارع الجانبية. عيلة الشاب عيلة محترمة، ما حسسونيش بحاجة تضايقني، بيت بسيط، كنبة بسيطة، أبسط من بيت طالب العباسية، بس مش دا المهم، المهم هو إني كنت باجيب له المنشورات في القلعة! أستلم المنشورات واروح شارع محمد علي، أدِّي له الدرس واسيب له المنشورات وانزل اروَّح. أخش عندهم بشنطة مليانة منشورات واطلع بشنطة فاضية، واحط قماش أو خضار أو أي كراكيب علشان ما يبانش إنها فاضية. الشغلانة دي استمرت مدة، لكن عليَّة - «آلييت» - اختفت من حياتي.

نرجع لعبد الستار الطويلة، المسؤول عني وعن عملية الجهاز الفني «المطبعة». كلمني عبد الستار تاني في الشغل:

- ما تجيش الأوضة، قابليني في محطة ترماي باب اللوق، تمشي ورايا كأنك ما تعرفينيش، حاكون لابس جلابية بيضة.

كان لسه فيه ترماي أيامها. وفعلًا رحت لقيته ماشي يبص يمين ويبص شمال بالجنب بشكل مريب، واتأكد إن انا شفته ومشيت وراه، مش عارفة رحنا فين، حكى لي إن البوليس هجم على أوضة السطوح:

- وانا هربت من السلم التاني.

فيه سلِّمين في العمارة:

- خرجت لابس جلابية بيضة افتكروني من الخدامين وما عرفونيش.

ساب الأوضة باللي فيها وهرب، ومن ضمن ما فيها الكتاب والكراسة اللي كنت باتعلم بيهم عربي، ولكن الحمد لله إن على الكراسة والكتاب مكتوب اسمي الحركي «فضيلة» مش اسمي الحقيقي: هي دي بقى فايدة الأسماء الحركية. المقابلات أصبحت بالطريقة دي، يكلمني في الشغل ويديني ميعاد في محطة ترماي أو أتوبيس، أشوفه ويشوفني وما نكلمش بعض، ييجي الأتوبيس يركب هو درجة تانية وانا اركب درجة أولى. ولما ييجي مكان النزول يفوت قدامي لو قاعدة على كرسي أقوم من غير ما نبص لبعض، ينزل وانا انزل وراه، يمشي وانا امشي وراه على مسافة. عبد الستار سكن مع «زميل» عايش مع أمه وانا حسِّيت إنهم بياخدوا منه إيجار. أكيد كانوا مخبيين المطبعة هناك، والزميل دا كل اللي اعرفه عنه إن اسمه الحركي «عبد النبي»، مش فاكرة اسمه الحقيقي. كنا «خلية» أنا وعبد الستار والزميل «عبد النبي».

فاكرة بيت السيدة زينب لأنه كان آخر بيت.

الشغل السياسي كان محصور في كدا: تمويه للبوليس السياسي، وتمويل من خلال دروس الفرنساوي اللي بادِّيها، وتوزيع المنشورات اللي بتتطبع.

طول السنة دي تقريبًا والبوليس بيدوَّر على الجهاز الفني، اللي هو المطبعة، يا اللي انا عمري ما شفتها المطبعة دي! باخد المنشورات اللي بيطبعوها لكن ما اعرفش بيطبعوها إزاي. طباعة رديئة على فكرة. أيامها كنت باعرف عربي قليل، والمنشورات مكتوبة بالعربي طبعًا، كتابة كتير وضيقة. مش مثلًا يطبعوا بحروف كبيرة شعارات أو أفكار محددة، لا، صفحتين تلاتة وكتابة صغيرة وكلام كتير مدبسة من هنا ومن هنا. يلَّا معلش، كانت طريقة بدائية عملية نشر الفكر الشيوعي في المجتمع المصري. أعتقد إن قليلين اللي كانوا بيقعدوا ويقروا المنشور دا من الأول للآخر.

في السنة اللي انا اشتغلت فيها مع عبد الستار غيَّر مكان سكنه تلات مرات. مرة كان عند فؤاد بلبع في العباسية أو في الحدايق مش فاكرة كويس، بعد كدا راح في أوضة الخدم على السطوح، فوق «داود عدس» في شارع قصر النيل، ومرة تالتة في السيدة زينب في بيت «عبد النبي». لو نروح السيدة أوريه لك، ورا الجامع، وانتِ جاية من شارع المبتديان والجامع في وشك الحارة تبقى على يمين الجامع، الواحد يمشي مسافة في الحارة دي وبعدين يدخل في حارة تانية صغيرة يمين وبعدين شمال، بيت شعبي طبعًا في حارة صغيرة ومش ممكن حد يفوت منها إلا من سكان الحتَّة. أكيد من أول مرة أنا رحت خدوا بالهم إن فيه حد «غريب»، تصوَّري إن المفروض بالعكس، المفروض إن المكان دا يكون في منتهى الأمان والسرية والاحتياطات من البوليس.

المشكلة اللي عرضوها عليَّ، عبد الستار وزملاته أحمد الرفاعي وأنور عبد الملك وواحد أظن اسمه لمعي، إن عايزين يأجروا بيت يحطوا فيه المطبعة، بس لازم يكون ساكن فيه اتنين متجوزين عاديين علشان ما يلفتوش نظر البوليس يوافقوا إن بيتهم يبقى «الجهاز الفني»، ما لقوش، ودا المفروض السبب اللي علشانه حصل الجواز بيني وبين عبد الستار الطويلة. سألوني:

- مستعدة تتجوزي؟

وانا كنت مستعدة لكل شيء، كنت في حالة تنويم مغناطيسي، جو من السرية ومن المغامرة والمؤامرة والكفاح ضد البوليس فما كنتش باحسب أي حساب.

- هل شرط علشان تتجوزي إن الشخص دا يكون مسيحي؟

أنا لقيت السؤال غريب شوية، أنا فاهمة إن انا لو حاخش في العمل السري وابقى محترفة، حاسيب الحياة العلنية، حاسيب البيت وحاهرب من عند ابويا وامي، إزاي ممكن في الظروف دي يسألوني مسيحي ومسلم؟ تفرق في إيه؟

قلت لهم:

- لا مش شرط.

وكمان الحقيقة إني ما كنتش واخدة بالي قوي إن المصريين مسيحيين ومسلمين، المصريين مصريين - عرب - الخواجات هم اللي مسيحيين ويهود، آخر لخبطة في دماغي.

قعدوا يفكروا وفي النهاية يظهر ما لقوش طريقة تانية علشان يخبوا المطبعة دي. فجه عبد الستار الطويلة وقال لي:

- عندك مانع إننا نتجوز؟ أو نعمل نفسنا متجوزين؟ ونقعد في شقة ونكوِّن خلية الجهاز الفني؟

- لا معنديش مانع.

واضح إن انا كنت عبيطة أكتر من اللازم، هو كان عنده 22 سنة وانا بعد شهر حاتمِّ 18 سنة، فقال لي:

- بس لازم نعمل عقد جواز.

- نعمل، مش مشكلة.

قطعًا هو لاحظ إن انا أقل وعيًا من تصوُّره لأنه قال:

- ممكن نعمل جواز عرفي بشهود، لأنه مستحيل نعمل جواز حقيقي بمأذون من غير أوراق.

أنا دلوقت باتساءل إيه هي الأوراق اللي كانت ناقصة، عبد الستار كان هربان من البوليس وبيدوروا عليه مختفي في الحياة السرية للتمويه علشان ما يقبضوش عليه، أوراقه هو اللي ناقصة ولَّا أوراقي أنا اللي ناقصة؟

في يوم، اتعمل عقد الجواز العرفي في بيت أحمد الرفاعي، كان ساكن مع درية مراته في القصر العيني من ناحية المنيرة قدام الشارع اللي بيروح الجامعة، حارة صغيرة جوه. بَرضُه مكان غلط، ما كانش المفروض إن انا أروح الحتت دي علشان لو فيه بوليس سياسي مراقبهم بيلاحظني على طول. الجواز دا كله فيه عدم نضج ونوع من الاستغلال، لأن واحدة أجنبية ماشية في السيدة زينب ملفتة للنظر، الجواز ما ساعدش في التمويه. على أي حال اتعمل عقد الجواز بوجود أحمد الرفاعي كشاهد وأنور عبد الملك الشاهد التاني اللي لازم أقول إن لما بافتكره دلوقت كان الوحيد اللي مش مرتاح للعملية دي كلها.

عبد الستار استريح كدا وبقيت أقابله في بيت السيدة زينب.

ابتديت انزعج من العلاقة دي اللي دخلت فيها، من ناحية إيه؟ بعد أسبوع عشر أيام عبد الستار قال لي إن عبد النبي وامه ناس فقرا، فحقتي لما آجي أجيب معايا كيلو رز أو كيلو سكر، شوية شاي، بقالة زي دي. أنا ما كانش عندي فلوس، باشتغل سكرتيرة وفي بداية الشغل والمفروض حيزودوني بعد مدة، لكن باقبض ستة جنيه وبادِّي الفلوس للبيت، لابويا وامي، فمش عارفة أعمل ازاي علشان أجيب رز وسكر. عندنا في البيت فيه دولاب صغير بيحطوا فيه مثلًا اتنين كيلو سكر خزين غير اللي في علبة كل يوم، خدت كيلو سكر ومش عارفة شاي ولَّا إيه تاني من خزين البيت. حسيت مش مظبوط أعمل كدا في أهلي وحسيت إن دي سرقة، وأمي قعدت تسأل: «إنتِ خدت السكر؟ طب إنتَ خدت السكر؟» ليَّ ولابويا ولـ«برتو» اللي كان عنده 13 سنة، وانا أقول لا، كلنا بنقول لا، وبقى لغز في البيت إزاي ممكن يختفي السكر، لغز إن تموين يختفي من البيت. كان عقلي صغير، والله مش عارفة إيه اللي حصل لي، بس عملتها مرة وبعد كدا ما عملتهاش تاني وابتديت أحاول اشتري.

الفترة دي ما استمرتش كتير، يوم تلاتين مارس 1949 - عيد ميلادي الـ18 وكان المفروض آخر النهار أرجع البيت ونحتفل مع أهلي - وانا خارجة من الشغل الساعة واحدة عبد الستار اتصل بيَّ وقال عندنا اجتماع خلية في السيدة زينب. ركبت الترماي اللي بيروح من شارع التحرير لغاية ميدان السيدة زينب. كنت حفظت السكة وأصبح مفيش داعي إن عبد الستار يقابلني ويمشي قدامي في الشوارع. وصلت بيت عبد النبي، كان فيه شوية سندوتشات فول وطعمية على المكتب علشان نتغدى ونبتدي شغل، يعني اجتماع خلية، يمكن كان فيه أوراق مطبوعة على الترابيزة مع السندوتشات؟ يا دوبك أنا قعدت على المكتب ولقيت الباب اتفتح واربع خمس رجالة دخلوا البيت وانتشروا في كل حتة وواحد مسكني من دراعي. مش فاكرة لو أم عبد النبي فتحت الباب ولَّا هم اقتحموا، كنت قاعدة بالظبط زي ما انا قاعدة قدامك دلوقت، عبد الستار قام وقف، فهم أسرع مني، مسكوه هو كمان وابتدوا يفتشوا البيت. فين وفين لما فهمت ان دا البوليس، رجالة لابسين مدني وانا في حالة الـshock - صدمة - حصل لي نوع من البلادة أو الشلل في المشاعر والأفكار، اكتشفت إن بابطل افكر وما باشعرش ولا بالخوف ولا بالزعل ولا بافهم أي حاجة. فعلًا فضلت واقفة كأن إيه باتفرج على فيلم، مش على أحداث بتحصل لي وانا جزء منها. خدوا عبد النبي، قبضوا عليه هو كمان، وعرفت بعدين إنه يا عيني كان شيوعي مبتدئ ويا دوب مترشح للعضوية، فكان زعلان جدًّا من خراب بيته من تحت راس عبد الستار الطويلة. وخدوا عبد الستار الطويلة طبعًا وما شفتوش تاني إلا في المحكمة لما اتعرضت قضيتنا.

 

Read more from the March 2020 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.