Skip to content
Forbes names WWB one of the ten best ways to spend your quarantine. Read about it here.
from the March 2020 issue

حشرجة الموس وبدايات الترويض

 

حشرجة الموس وبدايات الترويض[1]

 

لم يمضي الحال كما اشتهت مراكب طفولتي، حرة وطليقة العب مع الاولاد في الشارع ويحلو اللهو حين تمطر المساء، بدأ الترويض يوم سمعتهن يحكن:

البنات كبرن وبقن على (الطهور) غنت بنت الجيران التي تكبرني بصوت محشرج: (الليلة الفرحة وبكرة الضبحة)، ولم اعرف ما تعنى الا لاحقا.

الطهور... الرمل كما الماء كما الحجر صالحا للوضوء لتصلى الروح خلاصها

وجسد صغير غض كقصب السكر في ذاكرة الفقراء.

وكان بداية شتاء

كان الشتاء الذي ختمت فيه تلاوة الفقد والغيابات

لم يتبقى كثيرا لألج المدرسة، كنت فرحة بها وسلكت الدرب نحوها ومشطته بلهفتي ورغباتي في التعّلم وسطوة الارادة.

فرحتي وشقيقتي الاصغر حين وضعنا الجميع موضع احتفاء وكأننا مركز الكون وتلك الطفلة تعنى ان هذه الفرحة ستتبعها ذبحة لعصافيرنا، يوم بدأ شلال الاسئلة، اسئلة الكينونة.

كيف لأمي، كيف لأمي حليمة ان تحتفى بألمى؟

كيف لأمهاتي وخالاتي ان يحتفن برائحة دم طفولتي؟ كيف فعلت حبوبتي ريا ولم تسمع نشيج الشامة التي ترقد على انفها وهي تهمس لها: ان هذه (العنبة) التي اقتطعوها من نبته طفولتي لا تختلف كثيرا عن شامتها الشقية على انفها الذي يشبه منقار الحدأة!!

كيف لهن وهن تألمن كثيرا، ام انه استمراء الالم؟

صوت الحبوبة يزجرنا:

هن الجدات هكذا دائماً ماطرات بالمحنة وفاتحات لأبواب الرحمة وأيضاً فاتحات لأفخاذ الصغيرات لتلك المرأة ذات الشنطة الحديدية التي تراصت فيها مشارط مختلفة لقص الحلم الإنساني في اللوعة والصبابة.

الحبوبة التي بدأت لي بوجه لم تألفه خيالاتي وهي تحكى لنا القصص والاساطير عن الغول، كيف هي نفسها تأمر (الغولة) بأن تجزر مدخل الخصوبة حين يشتهى المطر جزر دعوات النساء، فتقص بذلك مد القلب لطفلةٍ ستتمدد لاحقاً كل أنسٍ دون أن تجلجل روحها بالفرح أو تقدر على عزف موسيقى جسدها كما تشتهي.

حشرجة الموس، لهفة المشرط الغائص في لحمى الغض، فيما صوت المرأة ذات الصوت الأجش لا زال يزمجر:

- ما تخلي حاجة فيها، (اللالوبة) دي فيها رجس الجن!! ثمرة شجرة اللالوب لم يعد طعمها يستهويني ولم أقربها من ذلك اليوم.

المخدر سرى في جسدي الصغير، حاولت رفع رأسي لأعرف ماذا تفعل هذه المرأة، زجرتني التي تمسك يدىّ اليسار بان أغمض عيوني وان لا اسأل كثيرا.

كنت اسمع صوت الطبل يعلو في الخارج، بنات الحلة والنساء يزغردن كلما غاصت الداية في لحمى. عرفت معنى الكلمات التي دندنتها بنت الجيران بصوت محشرج واشبه بالبكاء (الليلة الفرحة وبكرة الضبحة). لسبب ما كنت أحس بالخوف وفى ذهني حمامة تم ذبحها أمامي زمانئيذ، هل سوف اذبح مثلها؟ الحفلة والفساتين الجديدة والحنية من كل اهل البيت نستني مشهد الحمامة المذبوحة وزغبها يهدل بصوت باكي.  

صوت الطبل يعلو، منى شقيقتي الاصغر التي سمعت صرختها المكبوتة قبل ان افك ساقي للريح ويتم القبض علىّ والعودة بي الى حيث السرير المفروش بمشمع من البلاستيك. مشهد المقصات يغلى في الماء التي وضعت على كانون مشع بالجمر. الحقنه المعدة وخمسة نساء شهدن المذبحة , بعد طعني حقنه البنج جاءني صوت بت الجيران خافتا الى ان تلاشى مع تقطيع جزء من البظر وجزء من الشفرين الصغيرين والكبيرين ثم رأيتها تعد ابرة اخرى لتخيط ما قطع منى. رأيتها تقطع جهنمية غضة. رأيت ابتسامتها والتي تمسك رأسي الصغيرة للخلف وكنت اقاوم لأرى ماذا يفعلن بي.

تذكرت ابى وناديته، قالت لي التي تشد ساقي نحو اليمين بان لا رجل هنا.  لا ابى ولا جدي ولا شقيقي الصغير توأم منى التي تقترب سنواتها الى خمس وكنت على وشك السبعة اعوام. كانت فقط نساء ولم ارى ابى الا في اليوم الثاني. 

في المساء مازال الكل مبتهج والاهتمام بمني شقيقتي وبي يزيد مع الوجبات المميزة من شوربة الحمام واللحم المحمرة، على طرف الحائط كان يرقد رأس الخروف فهو من نصيب القابلة, هذه الشخصية المهمة التي يصغى لها الجميع, خرجت محملة بالهدايا من حلوى وسكر وشاي وخبيز ورأس الخروف المسكين الذى كان شاهدا على الالم.

لقد حانت مواعيد السيرة أي الرحلة للبحر وجاء البص المعروف (بابو رجيلة) وتاكسي لأجلنا، نحن بنات الطهور.

سألت أمي حليمة عن تلك البلحة واين قبروها، رأيتها، قرب بالوعة الغسل، رأيتها حزينة، نفحت فيها آهة جبارة فحبلت، حبلت ثمرات طازجات رافقتني نخلاتها في مقبل الايام.

في الليل بدأ النتح، صحت العقارب التي لم يتم ترويضها، لمست بيدي الصغيرة جرحى، تلك الخيوط الحارقة من ترويض عصافيرنا التي كفت ليلتها عن الزقزقة.

رائحة الحناء التي طربت لها طفولتي اختلطت برائحة دمى، المى وصراخي يرتد صداه في اغنيات السيرة

وبحر أبيض وذلك المزار لرجل من رجال الله الصالحين الذي يرقد على ضفاف النيل الابيض يشهد على دمعاتي وآهات طفلتين. بعد ان أطلقوا سراحنا كان هناك وميض قد انفطا ولكن هناك مئة فانوس قد اشتعل في عقلي.

كنا حين نجلس تحت شجرة اللالوب تتحسس كل واحدة منا آهة حمامتها المذبوحة بين فخذيها الصغيرين،

ومع ذلك فالجدات طيبات، يناولن أباريق الوضوء لرجالهن

عرفت لاحقا ان ابى كان ضد الختان وسمعت ان جداتي قالن له ان الامر يخص (النسوان) ولا دخل للرجال فيه وكان لأبى فضل ان يصر  على ان يكون الختان سنة اذا كان لابد منه وخضعن لأمره الا انهن عادن لنا ذات العملية بعد سنوات  لأنهن اكدن بان الداية لم تقلع الشيء من جزوره واقسمت جارتنا انها سمعت ان لبولنا صوت كمن للبنات (الغلقات), لذا وجب اعادة الطهور وان تجز النبتة (الشيطانية) من جزورها ولولا الخوف من ردة فعل ابى لجزن كل شيء ولكن تمت إعادة العملية، وهكذا بدأ الترويض وما عرفوا ان العناد كان وليد الترويض ليمهد الطريق لفرسه تصهل بالحقوق الانسانية بحق النساء في الحياة المعافاة.

 

في العشر الثانية كنت فرحة بتفتح الليمون في جسدي، كنت في حبور أزهو بأثداء الطيور على صدري، تأملتهما بأعجاب وحنو على مرآتنا الصغيرة، رأيتهما طازجتان كتمرات في شهر الصيام. لقد احتفيت بهما كما احتفيت بأول قطرات دم نمطوها قالوا انها خصوبتي... احتفيت بزهرتين جهنميتين فحاصروني الى ان صارتا دومتين لا ينتميان الاّ للخوف الذي تمردت عليه.

واحتفيت بالطمث، كثيرا، كنت اشم رائحته، كان اشبه برائحة المطر على القش. اشبه برائحة المطر والندى على شجرة الليمون.  لم تقل لي أمي شيء عن البلوغ ولكن جدتي التي كنت اناديها بأمي حليمة كانت دائمة السؤال وبفضول كنت اتمرد عليه ايضا بالإجابة حين تسأل: (العادة جاتك).  يومها وكانت (القمرة) في كامل خصوبتها. استدارات ثم اتسعت ثم ضاقت حين داهمني المغص. كل ثمانية وعشرين يوما انتظرها بشوق. شكل خرائطها على فستان البنت التي كانت تجلس جواري في الفصل الخامس جعلها تتوارى خجلا وبعض البنات يشرن لها بغرابة. اظن انهن من البنات اللاتي لم يعرفن بعد كيف تبدو قطرات الدم الحنون.

يوم داهمني الطمث ربطت جدتي (سعفة) غزلتها من جرائد النخل واحجية وكمون اسود

ليحميني العين، فصار الاسود هويتي وكل طقوس أنوثتي.

اذكر ان احتفائي بهاتين النهدين الصغيرين كبيرا، كنت اراقصهما وانا في طريفي الى المدرسة وعودتي الى البيت. في يوم شاهدني ابى وضربني كيلا امشي بطريقة غير التي رآها اذ قال بأني كنت اهز صدري وانا في الطريق ومن يومها تحددت مشيتي ممشوقة وراقصة للحياة.

 

 

 

 

إشراقة مصطفى حامد

 

 

 

[1] فصل من سيرتي الذاتية: أنثى الأنهار، من سيرة الجرح والملح والعزيمة الذي صدر عن دار النسيم بالقاهرة 2015.

 

Read more from the March 2020 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.