Skip to content
Join us on October 29 for the Words Without Borders Gala honoring Edith Grossman. Tickets on sale now.
from the May 2019 issue

ظل هيرمافروديتوس

 لا أحد يتفهّم أن المسألة ليست إلا عيباً خلْقياً لم تكن لي به أيّة يدٍ طولى، كل محاولات أبي وأمي تركزت في محاولة علاجي الجسدي، في البحث عن أنوثتي المختفية خلف جسدي الصغير، في حين كان يتوجّب عليهم البحث عن علاجٍ نفسي لما أعانيه، أو اكتشاف حقيقة جسدي المختبئة خلف جسد فتاة، لو أنهم فعلوا ذلك لما وجدتُ نفسي في حربٍ ضروسٍ أنا الطرف الوحيد فيها، أنا المنتصر والخاسر، وكنت على الدوام الطرف الخاسر، لم أشعر بلذّة الانتصار عليّ يوماً، جسدي يهزمني، يدوس عليّ، يقتلني، أفكر بالهرب منه، تبديله، تحويله، الانتصار عليه.

السّم الذي لا يقتلني يزيدني قوة، كما قال الفيلسوف الألماني غوته، كلّ ما عليّ فعله إذًا هو إجراء بعض العمليات الجراحية للتحرر من كل ما أعيشه من ضيق وإحساس بالنقص، خطوةٌ واحدة كفيلة بتغيير مجرى حياتي، قرارٌ واحد هو الخط الفاصل الذي لو تجاوزته لاختفى الماضي بكل تفاصيله وآهاته وتساؤلاته، القرار الذي من بعده لا يعود شيئاً كما كان أبداً.

بعدها؛ سأبحث عن زوجة من خارج البلد، كالهند مثلاً، هناك يمكنني شراء أنثى فقيرة تحت غطاء شرعي، وإحضارها معي لأستر بها خيبتي، أتعرى أمامها لتكتشفَ أنني لستُ رجلاً، ما تلبث أن تهجرني فاضحة رجولتي الواهية، رغم الفقر لا تقبل الأنثى بنصف رجل، تريد رجلاً مكتملاً يكتشف أنوثتها، يعبر إليها واثقاً، لا يقف متردداً ولا خائفاً،لا بأس بأن يكون بعينٍ واحدة، أو رجل واحدة، ألا يكون له أكثر من يدٍ، ولكنها في النهاية تريده رجلاً كاملاً. لا يمكن لامرأة أن تتفهم وضعي، كنتُ أنثى بيومٍ ما وأفهم ذلك.

ربما كان اليمن خياراً مثالياً أكثر من الهند، يكفي أنها امرأة عربية مثلي، لن أجد صعوبة في التفاهم معها، لن تكون متطلّبة، أنهكتها الحرب، قد تقبل بخيال رجل تتكئ عليه هرباً من حربٍ خطفتْ منها عائلتها في غمضة عين، ظل رجل أكثرُ أمناً من ظل حائطٍ مُتداعٍ قد ينقضُّ بأي لحظة ويقضي عليها، شبه رجل أفضل من قنبلة قد تنفجر بغتةً مُحوِّلةً إيّاها إلى شظايا متناثرة يصعُب جمعها. لا بأس باستغلال حاجات الناس لتلبية حوائجنا، في الأخير لستُ إلا واحداً من هؤلاء البشر الذين لا يتوانون عن فعل شيءٍ لإرضاء أنفسهم، وتلبية رغباتهم، دائماً هناك جانٍ ومجنيٍّ عليه.

أغوص في نفسي؛ هل هذا هو الرجل الذي سأكونه؟ رجل لا يهتم إلا بستر عيوبه، يبحث عن امرأة هاربةٍ من حرب اقتاتت على عائلتها وتركتها دون قلب تسمع صدى نبضاته بقربها، امرأةٍ أُخبئ تحت دثارها ضعفي، رجولتي الباهتة، حقيقتي القاتمة التي ستكتشفها دون شك، لن أنجح في الاختباء كثيراً، ثمة أمور لا يمكن إخفاؤها.

تُقلِقُني هذه المشاعر الدونيّة التي أنظر بها لنفسي، تجرّدي من إنسانيتي بحثاً عن ذاتي الضائعة لا يعجبني، أن أتخلص من أنوثتي لا يعني أني لم أعد إنساناً، أن أصبح رجلاً لا يعني أن أتخلى عن مبادئي ومُثلي، كيف يُمكن لي التفكير بالسطو على امرأة ضعيفة وتجريدها من حقها في الحياة، مهما كانت حياتها، في ظل فقر أو حرب، لا بد وأنها ستكون أفضل من استغلالها، وتداولها كسلعة باهتة لا تحمل أية مشاعرَ، جسدٍ ميت لا يمنحك حبا ولا فرحاً، لا يمكنه أن يضحك ولم يعد باستطاعته البكاء.

لو أنها أوليفيا لم تختر الخيار الأسوأ، لربما كانت هي الخيار المثالي، لطالما كانت سنداً لي، ولو أنها تنبّهت لأمري مبكراً لكانت هي من أخذني للتفكير بهذا الاتجاه، ولكنها لم تكن ترى في الكون رجلاً إلا ناصراً، وحين خذلها، تركت الكون برجاله ونسائه ورحلت.

نعم سيدي الطبيب الأمر كله بيدي، وأنا من سيتخذ القرار، لست مضطرةً لأن أستمر بالعيش ظلاً ممتداً لهيرمافروديتوس ، نِصفٌ يرتدي نصفاً، نصف امرأةٍ تتكئ على نصف رجل، ونصف رجل يختبئ خلف نصف امرأة، أحدهما لا يُكْمِلُ الآخر، نستمر بالعيشِ معاً دون أن يُخلَّد أحدنا، لا نملكُ إلا الموت والفناء معاً، أي جمالٍ في الانتصاف؟ في بقائك مشطوراً بينكَ وبينك، وكأنك عدو نفسك، بعضك يهاجم بعضك ليتخلّص منه ويتسنّى له العيش والتنفّس بحرية، نصفٌ يلتصق بك كتوأمٍ لصيقٍ ولكنه غير مرئي، لا يراه سواك، ولا يتعثر بظله سواك.

 

الطريق إلى مسقط طويل، ستّون دقيقة هائمةٌ على وجهها تبحثُ معي عن حلٍ جذري لا يشبه حلول الكتب وخيارات الأطباء، ثلاثة الآفٍ وستمائة ثانية تنقر في رأسي كنقّارِ خشبٍ بغيض يُصرُّ على حفر نفقٍ في رأسي ليستوطنه. 

أحاول تشتيت تفكيري، أتأمل الجسور العلوية المخصصة للمشاة، والمشاة يتراكضون أسفلها فتحصد السيارات أرواح بعضهم بين فينة وأخرى، جسورٌ أخرى أُنشئت كمفترقات طرق، أجملها ذلك الدوار المُعلّق في بركاء، أكثر من مرة اتجهت إليه لأرى شكل الحياة أسفلي وأنا أدور في الأعلى ولا أتوقف، تظل سيارتي تدور وتدور وتدور، وأنا أضحك بسعادة، ربما كان الأمر يذكرني بجدران قريتنا وهي  تدور بي في مرحٍ طُفولي لا يهدأ.

لا تزال الشوارع مزدحمة رغم محاولات توسعتها، الناس بين رائحٍ وغادٍ كُلٌّ يجري لأجلٍ مسمى، ولوجهةٍ يظن بأنه يعلمها، ولا يقين بأنه سيصلها أو سيتخطَّفه طارئ قبل الوصول لوجهته، حتى أنا لا أعلم أين سأصل بطريقي الطويل هذا وكل الجهات لا تُنبئ بحُلُمٍ حلمته يوماً ما.

أشتاق لغرفتي التي استأجرتها مؤخراً، يزعجني أن أعود إليها لأجدها تفيض بالحرارة، ليت أحداً يسبقني ليشغل التكييف بداخلها؛ فأصل لأجدها باردة، صعبٌ جداً أن تعيش وحدك، ولكنها ـ الوحدة ـ تمنحك مساحة أكبر من الحرية دون تطفل أحد على أسرارك وخصوصياتك، لا أحد يسألك ماذا تفعل وأين تذهب ومتى تعود؟ تفعل ما تشاء متى رغبت، دون أن يناقشك أحدٌ بأي تصرف تقرره.

أُغمِضُ عيني علّي أستجمعُ شتاتي، أتعرّف عليّ من جديد، أكتشفُ حقيقتي المختبئة خلف عمليات التجميل، والملابس الأنثوية، وكل القيم والمبادئ التي نشأت عليها، لفظة العيب والحرام والممنوع والخطوط الحمراء، ما يجب وما لا يجب، عاجزةً عن فهم ما حدث، تأخذني أفكاري لتلك اللحظة التي احتضنتني فيها انتصار في المستشفى، تلك الرعشة اللذيذة التي سيطرت على روحي، لم أشأ ليلتها تصديق مشاعري، نفضتُها من روحي ونسيت، أو حاولت النسيان، ربما التجاهل.

أقسمت لنفسي أن حبي لأوليفيا نابعٌ من وقفتها معي، لم يكن إلا امتناناً لما فعلته لأجلي، غيرتي من ناصر ليست إلا غضباً لتجاهله لها، كيف أُصدِّقُ أنني أحبها، إنها امرأة مثلي، لا هي رجل ولا أنا، كيف نلتقي ونحن قطبان متشابهان، ألا تتنافر الأقطاب المتشابهة؟ أتكذب الفيزياء وتصدق مشاعري؟

لماذا إذاً حين اقترب مني حمد لم أتقبّله، أحقاً كان رفضي له لأن أمراً كهذا لا يجب أن يحدث بيننا، أم لأنني لا أرغب فيه حقاً؟ ماذا عن كل الحب الذي حملته له بداخلي؟ كل الوجع الذي سكن روحي؟ أيعقل أنني وحتى اللحظة كنتُ أعيشُ وهماً؟ حباً دفعتني له الظروف والأعراف؟

تلاحقني نظرات حمد وهو يحاول احتضاني، وأنا أصده وأطرده من غرفتي، ماذا لو كشفتْ عن ذلك الإحساس الكامن بداخلي، والذي تنشّط فجأة كماردٍ استيقظ من غفوته، مدافعاً عن حقه الرابض في الظل خوفاً من سطوة الشمس.

أتقلّبُ في فراشي، أستجدي النوم أو بعض غفوةٍ يطردها رنين هاتفي، رسالةٌ من أوليفيا:

ـ حبيبتي سعاد أنا في مطار هيثرو في طريقي إلى مسقط، هل يمكنك استقبالي معك ليومين؟

القشعريرة ذاتها عاودتني بمجرد قراءتي لأول كلمة في رسالتها، لا أترك الهاتف حتى أبعث لها بأنها على الرحب والسعة.

تأملتُ غرفتي، تبدو ملائمة لاستضافتها، كل ما عليّ فعله شراء بعض الأغراض الأساسية التي قد تحتاجها.

ـ لا أريد أن أراه.

كان ذلك أول ما قالته أوليفيا حين بدأت الحديث، طول الطريق من المطار إلى الغرفة كانت شاردة وصامتة، وبدوري احترمتُ صمتها، إلى أن قررت الحديث. أعطتني بعض الأوراق التي أوضحت أنها تنازلٌ منها بحقها في رعاية أطفالها.

ـ لا أريد شيئاً يُذكّرني بنكبتي معه. ليس إلا وجهاً يتوجّب عليّ نسيانه سريعاً.

أي ردٍّ قد يليق لتوجيهه لامرأة كأوليفيا، ما فعلته معي حتى اللحظة ينم عن امرأة عظيمة، حاولتُ ثنيها عن قرارها، أخبرتها أنني سأحاول مساعدتها وإصلاح كل شيء، كل ما أحتاجه كان بعض الوقت، رجوتها أن تمنحني الوقت، أن تصبر قليلاً، ولكنها أبت.

ـ الرجال مواقف، إما أن يقفها وإما أن يُقيم على رجولته الصلوات، من يخذلك مرة، لن يتوانى عن فعلها مرات، لم أعد أثق به.

ـ وأنا؟ ألا تثقين بي؟

ـ ما بكِ يا سعاد؟ أنتِ امرأة مثلي، ما قلته لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن ينطبق عليك؟

ـ وماذا لو كنتُ رجلاً؟

ـ ربما تزوجتك.

قالتها وهي تضحك، بينما أخذ ذلك الإحساس يتعاظمُ في داخلي.

أخذتُ الصغار محمد وأحمد وفلسطين لمنزل عائلة ناصر، استقبلتني زوجته الحبلى في أيامها الأخيرة، سألت عن ناصر، فنادته رغم امتعاضها، لم أهتم بوقفتها خلف الباب متنصّتةً لتعرف ما يجري، سلّمته الأوراق والأطفال ورحلت، صدمته لم تكن أقل من صدمة زوجته، ولكني لم أمنحه الوقت ليُفكِّرَ في ردة فعلٍ تليق بالقيامة التي تنتظره، كان بودي لو همست له قبل رحيلي: كش ملك، الآن حان دوري.

حين عُدت كانت أوليفيا غارقةً في دمائها، ما زالت تتنفس رغم شريانها المقطوع ودمها الذي لم يجف على وجهها في محاولاتها البائسة لمسح دمعها الذي لم يتوقّف:

ـ أوليفيا.

لم أستطع نطق اسمها أكثر من مرة، كانت كافية لأن تخنقني، لأن تقف بين أنفاسي وبيني، لمحتها وهي تهتف لوقف الحرب، رأيت كوفيتها بلونيها الأبيض والأسود ملتفةً حول عُنقها، نسيانها لكل شيء وهي تتلذذ بشرائح لحم البقر (الأمريكان ستيك)، نظرتها المتفائلة للحياة، رغبتها بالاستمتاع بكل لحظة تعيشها، وعدم تفويت أي دقيقة.

ـ لا وقت لدينا لنُضيّعه، علينا فعل كل ما علينا ونود فعله.

الآن فهمت لماذا لم يكن لديها وقتٌ لتُضيّعه، كان الموتُ يطرق رأسها كلما همّت بنسيانه، لا يخبرها باسمه، يكتفي بأن يهمس لها من خلف الباب:

ـ لا وقت لديكِ لتُضيعيه.

حاولتُ أخذها للمستشفى فرفضت، اضطررتُ للاتصال بالطوارئ علّهم يتمكنون من الوصول قبل فوات الأوان لإنقاذها، تجذبني من ملابسي:

ـ ابقي معي، لا أريد الموت وحيدة.

أرفع رأسها وأضعه بحجري:

ـ لا تخافي. كل شيء سيكون بخير، لن تموتي؛ الإسعاف ستصل قريباً.

تبتسم بهدوءٍ وسخرية:

ـ من قال أنني أخشى الموت؟ لقد مللتُ انتظاره، الانتظار الذي لا يأتي بمن تُحب وما تنتظر، أشبه بأن تدقّ مسماراً في حائطٍ ورقي. لم أشعر بالضعف في حياتي كلها كما شعرت به بعد رحيل ناصر،كنتُ مُصرّة على التلذذ باللحظات وكأنها قطع حلوى محشوة بالكراميل، تذوب بمجرد ملامستها للشفاه، لكنها لم تعد كذلك بعد رحيله.

نحنُ لا نكبُر، نظلُّ صغاراً كالعصافير، كُلُّ الذي يحدثُ أننا نُفجَعُ يوماً برحيلٍ يقصمُ قلوبنا فنشيخُ فجأة.

"سعاد،" وتشبثت بي وهي تبكي، "أشعر بالألم، وأشعر بالحزن أكثر، أشتاق ناصر، أرغب في أن يحتضنني الآن، هل سنلتقي في الجنة؟ هل ستسعنا الجنة جميعاً، مسلمون ومسيحيون؟ أم أن الجنة خُلقت لتستوعب بعضنا وترفض آخرين،ألا يكفي أن تؤمن قلوبنا بالحب؟ الحب وحده هو الخلاص، وهو الهلاك.

-أشعر بالإعياء.


تُغمضُ عينيها ولا تفتحهما.أنا من قتلها، أنا التي لن يغفر لي الرب جريمتي، كيف أخذتُ أطفالَها وتركتُها، أحقاً كنتُ أظنها ستتزوجني لو كنتُ أو أصبحتُ رجلاً؟


أرغب بالتمرد، بالبكاء، بدمعةٍ لا تمتد لقطفها يدي، بعينٍ بديلةٍ، وأنفٍ يحمرُّ كوردةٍ تفتّحت صباحاً على قطرات الندى.

كم من الوقت مرّ بجلستي تلك؟ كم قدماً عبرتني في طريقها لفحص جثتها، ومعاينة موقع الحادثة أو الجريمة؟ الوحيد الذي التفت إليّ كان يرغب بكتابة تقريره والانتهاء منه سريعاً، لم أجد ما أقوله له، صدمتي بموتها كانت أكبر من أية كلمة قد تُسعفني بها أبجديتي، الأرض المعطرة بدمائها التي اصفرّت كثيراً كانت أصدق شاهد عيان.

البارحة وهي تُمطر، شعرتُ بها تُزهِرُ خلف غيمةٍ شديدة المطر، كانت تغسل قلبها منا جميعاً، ولما انتهت صعدت على كتف غيمتها ورقصت طويلاً حتى سقطت، حاولتُ مدَّ يدي لالتقاطها ولكنها لم تصل، وحده سقف غرفتي كان يتقاطر فوق رأسي، كل الأواني التي اصطفّتْ لتمسح دمعه ماتت عطشاً، بينما كِدتُ أموتُ غرقاً.

بعض الأخطاء لا يحاسبك عليها أحد، وحده ضميرك وبكل سوءٍ يفعلها، ينهش قلبك كحيةٍ رقطاء لا تعرف الرحمة، يستبد بتأنيبه حتى تصغر كثيراً في عينيك، لا تعود تراك، لا تتعرف على ملامحك، لا تعود أنت، تبصُق بوجهك أحياناً، توجه له اللكمات، لا ترحمه ولا تتقبله، ولكنك تنسى، أو تتناسى.

Read more from the May 2019 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.