Skip to content
Get your ticket to the Words Without Borders Gala and Globe Trot on October 29, 2019!
from the October 2019 issue

اركض يا جورج

 

كان من عادة الموتى في بنغازي أن يزوروا أهْليهم متى أرادوا، وهذا الأمر يعني أنّهم سيتدخلون في كل كبيرة وصغيرة تخصهم، وأنه إذا ما حدثت ثورة فسيشاركون فيها أيضاً، إذ لا مانع لديهم من الموت مرتين. كان ذلك ديدن الموتى من دون تمييز في بنغازي كلها، بمن فيهم رقود جبانة النصارى الذين واظبوا على الخروج مساءً في حللهم الجميلة النظيفة كأنّهم يأمون عرساً، والذين يتقابلون في الطريق مع موتى جبانة المسلمين، عائدين من الجلوس في المقاهي، كأنهم عائدون من دوام عمل.

 

كان جورج آرثر جورج من رقود مقبرة (الفويهات) العريقة النظيفة، يواصل موته في بدلة جميلة من ماركة غوتشي، وجوربين حريريين، وأظافر مقلمة، وحذاء نظيف، وذلك قبل أن يفرّ منها إلى جبانة المسلمين في (الهواري) في إثر مداهمة داعش المقبرة وتكسيرها شواهد قبورها وإهانة كرامة رقودها.

 

كان جورج عائداً من مشوار مرهق، بالكاد عثر في ختامه على ودرتين في مشروع الصفصفة[1]، وحملهما لأبيه بمناسبة الذكرى السنوية لوفاته. كان يعدّ الخطوات المتبقية إلى المقبرة عدّاً حين لاحت له البلدوزر والجلاليب الخفاقة واللحى الشعثاء الطويلة.

 

أدرك أنها النهاية، ببعد نظر لا يحتاج إلى تفكير، فرمى الوردتين فوراً على الطريق، فدهستهما السيارات التي لم تعتد التوقف حتى وإن دهست أحداً، وأخذ يجري هارباً من هذا اليوم الأسود المشؤوم في تاريخ موته، كأنّه يهرب من الموت من دون أن يدري إلى أين، فهو في الآخرة، ولا يستطيع الهرب منها إلى الدنيا. فمن عاش فخَّ الحياة لن يُولي وجهه إليها مهما بلغ مقدار ما يواجهه في آخرته من عذاب.

 

ربض جورج آرثر جورج عند طريق مستشفى الأمراض النفسية أسفل الشجرة الوحيدة الموجودة هناك، يأمل في مرور شاحنة يتعلق بها إلى مقبرة المسلمين.

 

لم يتوقف أحد من السائقين ليقلّه، لاعتقادهم أنه مريض عقلي فرّ من

المستشفى. وفي حال توقف فاعل خير، فإنه سيعود به إلى المستشفى كيلا

يتسبب بأي ضرر للناس في الخارج، لا سمح الله.

 

لذلك، كان عليه الفرار من الشجرة، ومن داعش، ومن الشاحنات، ومن فاعلي الخير أيضاً، فوقف قرب أكشاك الباعة المهاجرين، من أجل إعطاء انطباع بأنه إمّا مهاجر بعد سنوات من الاندماج، وإمّا باذنجان أبيض، وفي كل حال أيّاً كانت الماهية، فلا أحد يكترث للاثنين.

 

نجح، أخيراً، كباذنجانة في الوصول إلى المقبرة الإسلامية، وما إن علم رقودها من بعضهم بعضاً بأنّ بينهم رجلاً غريباً في بدلة أنيقة حتى صاروا يستغلونه بكل شكل.

 

لقد استعجل كباذنجانة، وما كان عليه الإعلان عن حقيقته حتى يعرفهم.

 

– لطفاً، يا جورج، اذهب وأقفل باب المقبرة.

 

– جورج، اذهب واشترِ لنا دخاناً، فأنت ترتدي ملابسَ، أما نحن فعراة.

 

– اذهب يا جورج، وآتنا بغدائنا وعشائنا، فنحن نشتهي فاكهة، ودجاجاً مشوياً.

 

تعب جورج أخيراً فصاح بهم، قائلاً:

 

– تعبت وأريد العودة إلى مقبرتي الأولى. اهترأت بدلتي من المشي تحت الشمس اللاهبة، واتسخ حذائي، وطال شعر لحيتي. ولا أجد كهرباء لكَي ملابسي وغسل بدلتي، فالكهرباء مقطوعة على الدوام. كما أنكم تطلبون مني جلب أشياء من أحياء خطرة للغاية تدور فيها الحرب.

 

– طوّل بالك وبشويش… راهو كان عاملناك معاملة كويسة تحسابنا نسينا إنك مجرد باذنجانة!

 

وبعد مرور سنوات...

 

ظهر جورج في ثياب رثة، أشعث، أغبر. سُرق حذاؤه، ونهب صاحب القبر المجاور له ربطة عنقه، وأنكر السرقة على الرغم من أنه يربطها حول رقبته.

 

وقف جورج على شوك المقبرة الخشن مدمى الساقين، وفكر كفيلسوف كئيب في استحالة الحياة والموت في ليبيا. فلا راحة لحي ولا راحة لميت هنا، ربما السبب في الحالتين هو الناس. سيجدون دائماً ما يكلفونه إياه، وسيمشي دائماً على الجمر من أجلهم ولن يرضوا أبداً.

 

عندما لا يجد نزلاء المقبرة ما يفعلونه، يكلفونه جلب الأخبار:

 

– اذهب يا باذنجانة تسقّط لنا الأخبار خارج المقبرة.

 

وها هم قد فعلوا للتو، وها هو عاد إليهم بالأنباء.

 

– هناك حديث عن سفينة تركية تدعى «أندروميدا» قُبض عليها في اليونان،

محمَّلة ب ٤١٠ أطنان من المتفجرات، قادمة من تركيا إلى ميناء مصراتة،

من شأنها فتح ملفات عدة بشأن الحرب في بنغازي إذا حظيت بتحقيق

نزيه. وستتسبّب هذه السفينة إذا وصلت بقلق الأموات على قبورهم، فقد

يُطردون منها ويوضع فيها الموتى الجدد. اللعنة، لا يوجد استقرار أبداً!

 

أنهى كلامه، وأدار وجهه شطر أوروبا حاسداً الموتى هناك، فما من ميت يتم إيقاظه ليعود ويموت مرة أخرى. كم مرة سوف تتدخل اليونان وتنقذهم؟

 

عاد محمد صديق جورج من المحكمة بعد إنهاء معاملة طلاق زوجته:

 

– ما بك يا جورج، تبدو حزينًا أكثر من القاضي، كأنّ لا شيء يعجبك هنا؟

 

– اشتقت لمكاني الأول وأتمنى العودة، السنوات تمرّ من دون أن يلوح أمل.

 

– ولمَ هذا القلق؟ أنت مرحّب بك بيننا، صحيح أنّ ربطة عنقك سرقت وحذاءك يمرّ يوميّاً أمامك في قدمي رجل آخر من دون أن تستطيع استرداده، والعجوز صاحبة ذاك القبر ادّعت أنّك تحرشت بها، لكنك أفضل حالاً ممن هُجّروا وطردوا من أوطانهم. انظر مثلاً حال تاورغاء.

 

– الحقيقة أنني أريد العودة إلى مكاني، ليس لأنه معشب ومشجر ونظيف وخالٍ من البلاستيك، بل لأن المقبرة هناك اكتفت ولم يعد يدخلها أحد، على عكس المقبرة هنا يتوافد إليها الموتى أفواجاً من كل فج عميق. حرب أهلية، حوادث سير، رصاص عشوائي، ماس كهربائي، ألغام. إهمال طبي، انهيار مبانٍ مغشوشة، أغذية منتهية الصلاحية... إلخ.

 

هذا مقلق للمستقبل ويجعلني أفكر في الهجرة إلى أوروبا.

 

واسى محمد صديقه جورج قليلاً ببعض الجمل المصبّرة، ودعاه إلى الاقتراب من سياج المقبرة للفرجة على العرس الذي يمر بجوارها، حيث تتعالى أصوات أبواق السيارات والأغاني الشعبية، ويلعلع الرصاص في الجو حراً.

 

هناك أمل. هناك فرح... لنقتنص لنا بعض المتعة والفرح، هيا.

 

رفع الاثنان نفسيهما على رؤوس الأصابع ليريا، وابتسم جورج أخيراً كما لم يبتسم منذ رحيله عن جبانة آبائه وأجداده، وكان يبدو سعيداً حقّاً أكثر من أصحاب العرس، حتى أنّه ردد الأغنية الشعبية التي يغنونها:

 

نار غلاك الله كاتبلي

تصهد كيف عجاج القبلي

 

وبينما هو على أطراف أصابعه ما بين نار الحب والصهد والقبلي، إذ اخترق سمعه نداء صديقه محمد له:

 

– اركض يا جورج... اركض يا جورج.

 

ركض جورج من دون أن يعرف لماذا عليه أن يركض، وفي أي اتجاه يجب عليه أن يركض. ركض فحسب، بالطريقة نفسها التي توزع بها نافورة مرتبكة مياهها، ومن خلفه ركضت بعزم وتوكل رصاصة طائشة من رصاص الفرح العشوائي. استدار محاولاً مواربتها وخداعها لكنها لحقته بخبرة في العدو السريع. التف حول الشجرة الوحيدة الموجودة في المقبرة فاخترقتها بشجاعة وشقتها نصفين: نصفاً وقع على رأس العجوز المتحرشة، ونصفاً تحوَّل إلى تابوت بفعل الصدمة.

 

دار حول القبور مرتين أفقيّاً ورأسياً، وقد لاحظ جورج، على الرغم من انشغاله بالنجاة، أنّ الموتى يتمسكون بقبورهم قابضين على أطرافها ولا يظهر منهم سوى رؤوسهم لمشاهدة المطاردة.

 

داس أصابع أحدهم في انعطاف أفقي رأسي غير متوقع، فسمع صراخه ولحقه سبابه مع الرصاصة.

 

– آي، آي، أصابعي أيها الكافر... أصابعي أيها القذر. يا ابن …موطة.

 

كان ما قاله الرجل عنيفاً أكثر من الرصاصة القاتلة، لكن جورج لم يكن لديه الوقت لتصحيح مفاهيم عاشت خاطئة ومات أصحابها على خطئهم.

 

لو تركته الرصاصة ينطق في حضور المسلمين، لقال لهم أنه كِتابيّ وليس كافراً، وأنه أسبقهم إلى الله الذي يحتكرونه اليوم لهم. لكنه للأسف كان يجري بلا وقت وبلا موت!

 

واصلت الرصاصة مطاردته، سمع صوت صديقه محمد يحاول نجدته من بعيد، وإرشاده إلى قبر حُفر في الصباح ليرمي نفسه به:

 

– خوذ يمينك، بعدين لف على يسارك واعزق روحك في أول حفرة جهة مصنع السمينتو.

 

خدع (الجي بي إس) الإنساني الرصاصة فمرّت من فوق القبر الجديد بسرعة خاطفة، مضيعة أثر جورج. تنهّد جورج أخيراً في القبر الجديد، وفتح عينيه أقصى ما يستطيع لرؤية سماء الله الجميلة. لقد تسنت له رؤيتها صافية بزرقة عجيبة وعصافير. نظر إلى جوانب القبر الجديد وأعجب بتربته النظيفة من التلوث. مسح بيده عليها وكانت باردة نقية لم يسبق لأحد أن تحلّل فيها. وقبل أن يتمكن من شكر الله على هذه النعمة، سمع طنين الرصاصة من جديد، وصوت أحدهم يسبّه ويسبّ دينه وأمه. ارتعب جورج، وحاول الخروج من القبر، لكن الرصاصة المتوارية في الشتيمة حامت فوق الرمس مرتين قبل أن تستقر في جبهته بدقّة تزيد في سعرها لو شاهدها من صمَّمها.

 

تنهّدت الرصاصة أخيراً ولامته على الهرب وسرعة الجري، وأصيبت الشتيمة بالخرس النهائي حين غرست رأسها أسفل سرّته.

 

لقد مات جورج مرة ثانية… لكنه هذه المرة مات برصاص عرس، وليس كالمرة الأولى؛ أي أنّه مات سعيداً!

 

 

 

 

 

[1] مشروع في بنغازي لزراعة البرسيم للأبقار.

Read more from the October 2019 issue
Like what you read? Help WWB bring you the best new writing from around the world.